رأي

يخسر الجميع لكن خسارة إسرائيل هي الأفدح

محمد كامل عمرو – الجزيرة:

الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر منذ بداية الهجوم الذي شنته كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، بما في ذلك وقف إطلاق النار الذي بدأ في 8 أبريل/نيسان الماضي، فقد يكون من المناسب أن نقوم بعملية حصر لما حققته الأطراف من مكاسب وما تكبدته من خسائر.

وللقيام بذلك، سيكون من الضروري العودة إلى ما أعلنته كل من الولايات المتحدة وإسرائيل كأسباب لقيامهما بهذا الهجوم، حيث قيل في ذلك الوقت إن إيران أصبحت على شفا امتلاك سلاح نووي يمكنها أن تهدد به إسرائيل بل والولايات المتحدة ذاتها، وأن التعامل مع هذا الموقف يتطلب، إلى جانب تدمير القدرات النووية، القضاء على القيادات العليا السياسية والعسكرية والفنية، وفي مقدمتها المرشد الأعلى، وهو الأمر الذي سيؤدي، حسب ما قيل، إلى تغيير في النظام القائم منذ قيام الثورة الإسلامية وعزل الشاه.

وقيل أيضا آنذاك إنه بالتوازي مع ذلك يلزم القضاء على باقي القدرات العسكرية التي تضم إلى جانب القوات الجوية والبحرية، القوة الصاروخية والمسيرات، وما يتصل بذلك من منصات للإطلاق والمنشآت العسكرية بصفة عامة.

وبعد ظهور عنصر جديد- يبدو أنه لم يكن في الحسبان رغم أنه كان من السهل، بل المنطقي، توقعه- هو قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من النفط والغاز المستخدمين على مستوى العالم، إلى جانب العديد من المواد الهامة لمختلف الأنشطة الاقتصادية، وفي مقدمتها المخصبات الزراعية، حيث أصبح فتح المضيق أمام الملاحة الدولية واحدا من الأهداف التي تعمل على تحقيقها الولايات المتحدة تحديدا.

وبعد هذه النظرة العريضة على ما أعلنه طرفا الهجوم من أهداف أرادا تحقيقها فلنلقِ نظرة على الوضع كما هو قائم الآن.

ففيما يتعلق بتغيير النظام في إيران، بما يفترضه ذلك بالطبع من إحلال نظام صديق للولايات المتحدة وإسرائيل، فرغم أنه تم في الساعات الأولى من الهجوم القضاء على عدد كبير من القيادات العليا وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، وتبع ذلك وبصورة متلاحقة مقتل العديد من باقي قيادات الصف الأول على مختلف الأصعدة العسكرية والفنية والأمنية، فإن ذلك لم يؤد إلى حدوث خلخلة ملموسة في الهيكل المسيطر على الدولة، حيث بات واضحا أن هناك كوادر تابعة في غالبيتها للحرس الثوري الأكثر تشددا، والتي أصبحت في مواقع القيادة.

إعلان
أضف لذلك عدم تحقق ما ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي للرئيس الأمريكي- عندما أقنعه بالقيام بهذه العملية- أنه ستكون هناك تظاهرات في الشارع بمساعدة من عملاء الموساد تنادي بإسقاط النظام.

وبالنسبة للبعد العسكري فإن التصريحات الصادرة من الجانب الأمريكي تشير إلى أنه حدث تدمير شامل لسلاحي الطيران والبحرية الإيرانية، إلى جانب تدمير غالبية المخزون من الصواريخ الباليستية، بما في ذلك منصات الإطلاق، والمسيرات وإحداث أضرار كبيرة بالبنية التحتية عموما في سائر أنحاء إيران.

وفي هذا الشأن، فإنه يلزم الأخذ في الاعتبار- فيما يتعلق بسلاحي الطيران والبحرية الإيرانيين- أنه لم يكن من المتوقع أن يكون لهما أثر ملموس في أي مواجهة عسكرية مع عدو يمتلك أحدث القدرات كما ونوعا في المجالين الجوي والبحري.

فبالنسبة لسلاح الطيران الإيراني، وكنتيجة للمقاطعة المفروضة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، فإنه كان يتكون أساسا من المقاتلات الأمريكية التي حصلت عليها إيران في عهد الشاه، وهي بطبيعة الحال تعتبر متخلفة تماما مقارنة بما هو موجود الآن لدى طرفي الصراع.

وفيما يتعلق بالسلاح البحري الإيراني الذي أعلنت الولايات المتحدة أنها دمرته، فقد كان يتكون هو الآخر أساسا من عدد من الفرقاطات الأمريكية من حقبة ما قبل الثورة الإسلامية، إلى جانب بعض السفن الصغيرة المنتجة كليا، وهي بالطبع، كما هو الحال بالنسبة لسلاح الطيران الإيراني، لن تكون لها أي فاعلية في مواجهة القوة البحرية الأمريكية الساحقة التي كان من ضمنها أكبر حاملة طائرات في البحرية الأمريكية.

وإدراكا من إيران أن قدراتها العسكرية التقليدية في المجالين الجوي والبحري لن يكون لها تأثير ملموس في مواجهة مع أعدائها المحتملين، وفي مقدمتهم بالطبع إسرائيل والولايات المتحدة، فإنها تبنت منهجا بديلا تحت قيادة الحرس الثوري كان من شأنه إحلال الصواريخ الباليستية والمسيرات والتي يمكن إنتاجها محليا وبتكلفة قليلة نسبيا محل الطائرات وأنظمة الهجوم الجوي المتقدمة تكنولوجيا.

وفي مجال القوة البحرية أصبح الاعتماد على القوارب الهجومية السريعة التي يمكنها إيصال المتفجرات إلى القطع البحرية الكبيرة، إلى جانب قدراتها على نشر الألغام البحرية، حيث تم إنتاج الآلاف من هذه القوارب فيما أصبح يعرف بالأسطول الناموسي “Mosquito fleet” والذي يتولى قيادته أيضا الحرس الثوري.

وقد أثبتت تطورات الحرب فاعلية هذه الإستراتيجية، حيث تمكنت إيران من استغلال ميزة ما يسمى بالقدرات غير المتوازنة “asymmetrical capabilities” في المجالين الجوي والبحري لتكبيد العدو خسائر لم تكن في حسبانه عندما بدأ هجومه آخر فبراير/شباط الماضي.

فعلى الجبهة مع إسرائيل تمكن عدد من الصواريخ الباليستية الإيرانية والمسيرات من طراز “شاهد”- والتي سبق أن استخدمتها روسيا بكثافة في حربها مع أوكرانيا- من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية بما فيها ما يعرف بالقبة الحديدية- التي تغطي أساسا منطقة تل أبيب- ومقلاع داود David’s Sling الذي يشمل باقي إسرائيل ونظام “سهم 2 و3” “Arrow 2 and 3” الذي يغطي منطقة أوسع، حيث وصل عدد من هذه المقذوفات إلى قلب إسرائيل، بما في ذلك منطقة ديمونة التي تقع فيها المنشآت النووية الإسرائيلية، وتسبب في إحداث عدد من الخسائر المادية والبشرية.

من الواضح أن طرفي الصراع لم يحققا ما كان لديهما من أهداف رئيسية عند بدء الحرب. فلم يحدث التغيير المأمول للنظام، وما زال لدى إيران القدرة على العمل العسكري، والأهم أنها نجحت في إبقاء مضيق هرمز مغلقا أمام الملاحة الدولية

وعلى الجبهة مع الولايات المتحدة، فقد تمكنت الصواريخ والمسيرات الإيرانية من إيقاع خسائر في القواعد العسكرية في المنطقة، شملت منشآت ومعدات عسكرية. وحسب تقديرات لجهات مستقلة من بينها مصادر أمريكية، فإن هذه الخسائر كان من ضمنها إحداث أضرار بواحدة من أحدث البطاريات المضادة للصواريخ من طراز “ثاد” والتي تمتلك الولايات المتحدة منها ثماني بطاريات موزعة على قواعدها على مستوى العالم. وتبلغ تكلفة الواحدة منها مليار دولار، إلى جانب تدمير 42 طائرة على الأرض، من بينها مقاتلات “إف- 15” و”إف- 35″، وطائرة استطلاع تكلفة إحلالها تصل إلى 700 مليون دولار، أضف لذلك تكلفة الذخائر سواء الهجومية التي من بينها صواريخ “توما هوك” والتي يبلغ سعر الواحد منها 1.3 مليون دولار، أو صواريخ “باتريوت” الدفاعية التي يكلف الواحد منها 4 ملايين دولار.

إعلان
وكل هذه الخسائر كان من شأنها أن تكلفة الحرب حتى الآن- والتي قدرها البنتاغون الأمريكي في تقريره للكونغرس بأنها 29 مليار دولار- ربما تكون أقرب إلى التقديرات المستقلة التي تضعها في حدود 40 إلى 50 مليار دولار.

وعلى المستوى الاقتصادي فيما يتعلق بأطراف النزاع فإن عددا من الجهات في الولايات المتحدة ومن بينها مؤسسة “موديز” “Moody’s” ترى أن تكلفة الحرب على الشعب الأمريكي بلغت حتى الآن 100 مليار دولار، أخذا في الاعتبار تكلفة التمويل العسكري الذي يتحمله دافع الضرائب والارتفاع في أسعار الطاقة.

وبالنسبة لإسرائيل، فقد ساعد على تخفيف التكلفة الاقتصادية عليها كنتيجة للحرب أن الغاز الطبيعي، الذي تتمتع فيه باكتفاء ذاتي أصبح يمثل 45% من استهلاكها للطاقة، في حين تعتمد على كل من أذربيجان وكازاخستان في وارداتها من النفط، والذي، وإن ارتفعت أسعاره، إلا أن خطوط إمداده لم تتأثر بالحرب.

وبالنسبة لإيران، وفيما يتعلق بالتكلفة المادية نتيجة للحرب، فلا شك أن إصلاح ما حدث من دمار كبير- سواء في المنشآت العسكرية أو البنية التحتية عموما نتيجة للقصف الجوي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والذي شمل حسب عدد من التقديرات أكثر من 17 ألف هدف- سيكلفها مئات المليارات من الدولارات على مدار سنوات طويلة قادمة، أضف لذلك الخسائر نتيجة الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على أي سفن تحمل صادرات من إيران للخارج.

وإذا انتقلنا من المجالين العسكري والاقتصادي إلى تأثير الحرب فيما يتعلق بالبعد السياسي، فإننا نجد أنه بالنسبة للولايات المتحدة، فقد انعكست تأثيرات الحرب على الداخل الأمريكي في انخفاض حاد في شعبية الرئيس ترمب بما يتوقع أن يكون له تأثير سلبي بالنسبة للحزب الجمهوري خلال الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

وبالنسبة لإسرائيل، فرغم ما تحقق لها من إنجاز، يمكن وصفه بالتاريخي، كنتيجة لمشاركة الولايات المتحدة لها في هجوم شامل على إيران، وهو ما كان، حسب ما ذكره رئيس الوزراء نتنياهو عند بداية الهجوم، حلما له على مدار الثلاثين عاما الماضية، فإن إسرائيل أصبحت تعاني من آثار سلبية على المستوى السياسي لا يمكن إغفالها انعكست في المواقف الناقدة لها والمعترضة على تصرفاتها في غالبية دول العالم عموما على المستويين الشعبي والرسمي.

وإذا ما نظرنا إلى الولايات المتحدة بالذات، والتي كانت وما زالت الحليف الأكبر والأهم لإسرائيل، نجد أن هناك تحولا كبيرا ليس فقط في دوائر الرأي العام ولكن في جهات ذات تأثير كبير سواء على المواقف الشعبية أو الرسمية والتي أصبحت ناقدة لإسرائيل ومعترضة على ما تقوم به من أعمال، بحيث صار هناك نقاش جاد حول أبعاد التوافق فيما بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وما إذا كانت إسرائيل تستغل الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الذاتية حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الأمريكية، وهو الأمر الذي كان يصعب تخيل حدوثه في الماضي القريب. وسيكون له تأثير على مستقبل العلاقات بين الدولتين، خصوصا أن القطاع الأكبر الذي أصبح ناقدا لإسرائيل هو في غالبيته قطاع الشباب فيما دون الأربعينيات من أعمارهم، أي من سيتولون القيادة في المستقبل القريب.

وبالنسبة لإيران، فإن هنا أيضا ثمنا سياسيا ستتحمله في الفترة القادمة كنتيجة لما قامت به من هجمات عسكرية طالت دول الجوار ولم تقتصر فقط على القواعد الأمريكية بل تعدتها إلى أهداف وخسائر مدنية، حيث يتوقع أن يؤدي ذلك إلى انتكاسة فيما تحقق خلال الأعوام الماضية من تقدم إيجابي على صعيد علاقاتها مع تلك الدول.

والتساؤل هو: ما الذي يمكن أن نخلص إليه من هذا الاستعراض للموقف على الأرض كما هو الآن؟

إعلان
من الواضح أن طرفي الصراع لم يحققا ما كان لديهما من أهداف رئيسية عند بدء الحرب. فلم يحدث التغيير المأمول للنظام، وما زال لدى إيران القدرة على العمل العسكري، والأهم أنها نجحت في إبقاء مضيق هرمز مغلقا أمام الملاحة الدولية، بما يعد نجاحا لها في إدخال هذا البعد كعنصر مؤثر في الصراع الحالي، وفي أي صراع مقبل.

وبالنسبة لإيران فرغم ما حققته من إنجازات فإنها بلا شك تعاني من صعوبات اقتصادية كبيرة، بما لذلك من انعكاسات على الداخل، وبما سيكون له من تأثيرات في الفترة القادمة.

ختاما، فإن أي استنتاج في الوقت الحالي يجب أن يضع في اعتباره أننا نتعامل مع موقف على قدر كبير من السيولة تتحكم فيه أطراف يصعب التنبؤ بما قد تقدم عليه من خطوات.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى