
كتب رئيس “المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع”, الاستاذ عبدالهادي محفوظ:
عندما يصل الرئيس الإيراني الدكتور مسعود بزشكيان، وهو المعتدل الذي يسعى إلى مخرج دبلوماسي للحرب الأميركية-الإيرانية، إلى استنتاج أن «التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية لا معنى له، ولا تقبل إيران نهج العقوبات والضغوط التي تمارسها واشنطن ضد طهران»، فإن ذلك مؤشر على أن المخرج الدبلوماسي مؤجَّل، على الأقل، وأن التصعيد هو الاحتمال المرجَّح. فالرئيس الإيراني لا يرى أن «واشنطن تسعى إلى الحوار، وإنما إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية». وهذا يعني، في السردية الإيرانية، صحة ما يردّده «الحرس الثوري» عن غياب الثقة بالنوايا الأميركية المبيّتة، وبما يهدف إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الحرب على إيران.
التشدّد الإيراني هو علامة المرحلة حاليًّا، حتى إن هناك من يطالب في مجلس الشورى الإيراني بإقالة وزير الخارجية، الدكتور عباس عراقجي، لكونه أجرى مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن، عبر الوسيط القطري، مع ستيف ويتكوف، علمًا بأن عراقجي كان حريصًا على الثوابت الإيرانية، وربط المفاوضات حول مضيق هرمز بالشروط الإيرانية المتفق عليها من كل مكوّنات السلطة الإيرانية، ومنها رفع الحصار البحري والاقتصادي عن إيران، ورفع العقوبات، وتحرير الودائع الإيرانية، وترك المفاوضات حول الملف النووي إلى مرحلة لاحقة. ومع ذلك، يعرف الوزير عراقجي مسبقًا، من خلال تجربته التفاوضية منذ العام 2015 مع إدارة الرئيس جو بايدن، أن المفاوض دائمًا ما يتعرّض لـ«نقد» داخلي غير مبرَّر. وهذه ناحية أشار إليها في كتابه «قوة التفاوض».
وفي اعتقادي أن المطالبة بإقالة عراقجي في مجلس الشورى الإيراني أمر في غير مكانه. فحكمته وتجربته ومعرفته بكيفية تفكير الأميركي ترتبط بتجربة المفكّر والمتخصص في العقل الغربي، الدكتور علي لاريجاني، الذي اغتالته إسرائيل، والذي كان المرجع الإيراني في المفاوضات السابقة. وهذا يعني، في ما يعنيه، أن المصلحة الإسرائيلية تكمن في إزاحة المعتدلين الإيرانيين وكسر «اللُّحمة الحالية» على مستوى السلطة السياسية والعسكرية، ما يشكّل مدخلًا لاحقًا لتفكيك الداخل الإيراني وتحريك المعارضات المسلّحة. وهذا ليس، إطلاقًا، في مصلحة المسارين العسكري والدبلوماسي.
هناك إرباك أميركي حول معرفة من يقود إيران، وحول فهم الحالة الإيرانية. وهذا ما برز في كلام مباشر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما ردّد أنه «لا يعرف من يقود إيران»، وبشكل ملطّف من نائبه جيه دي فانس، الذي طالب إيران بأن تبدي مرونة في موضوع تخصيب اليورانيوم، وأن تفهم المطالب الأميركية في هذا الشأن، مشيرًا إلى استعداد واشنطن للتجاوب.
لا شك في أن مقولة «لا نعرف من يقود إيران، ولا من هو المفاوض» هي تبرير أميركي للرهان على المزاوجة بين الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. وهي ضغوط تكتشف واشنطن أنها تحتاج إلى وقت طويل لممارستها، ذلك أن إيران تهيّأت لها، وأن لها ارتدادات سلبية على الاقتصاد الأميركي، والأسعار، وسعر الديزل، والرأي العام الأميركي الذي يهمّه «الشأن الداخلي»، لا الذهاب إلى الحرب في الخارج.
وهذا ما يفسّر «اللغة الجديدة» للرئيس دونالد ترامب. فهو يحسم بأن «مضيق هرمز» يخضع حاليًّا لسيطرة كاملة من قبل القوات البحرية الأميركية، وبأنه يتبع لها. وهذه نقطة تحتاج إلى بحث وتدقيق، كونها لا تحيط بالصورة الكاملة. ذلك أن الحرس الثوري لا يزال متمركزًا على ضفّتَي المضيق، ولا يزال يستهدف عسكريًّا ناقلات النفط الصغيرة التي تعبر سرًّا ليلًا. كما أن أسعار النفط المرتفعة مؤشر على الكلفة الكبيرة لعمليات النقل المحفوفة بالمخاطر. إنما ما يلفت الانتباه في مضمون «اللغة الجديدة» لترامب حول المضيق هو طمأنته إيران بأنه «لا يريد نفطها، الذي يحتاج إليه بشدّة آخرون، لكننا نؤمّن تصديره».
الانتظار والوقت الضائع هما القاسم المشترك الحالي بين واشنطن وطهران. فالحرب الأميركية على إيران أصبحت في صلب المعادلة الأميركية النصفية للكونغرس، حيث توحي المؤشرات بتراجع الحزب الجمهوري وشعبية الرئيس دونالد ترامب. ومن هنا، فإن الانتظار لا يعني بتاتًا وقف العمليات العسكرية من الطرفين، بل قد تكون هناك عمليات استباقية. إنما الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، وحياد واشنطن في حرب اليمن، والتوتر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وإثيوبيا والسودان، إضافة إلى تصاعد التوتر الروسي-الأوروبي والحرب الروسية-الأوكرانية، كلها مؤشرات تفضي إلى مكان واحد، وهو أن الحل الدبلوماسي بين واشنطن وطهران هو الذي يطفئ الحرائق الدولية مجتمعة.
ولذلك، إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يعرف من يدير إيران، فإنه يعرف، على الأقل، أن من يديرها كلّف محمد باقر قاليباف برئاسة الوفد الإيراني إلى المفاوضات، وهو بالتأكيد المفاوض الذي يحمل تفويضًا «ممّن يدير إيران».




