هوس بنيامين نتنياهو بإيران يجد لحظته في دونالد ترامب

كيف ضغط نتنياهو على واشنطن على مدار سنين من أجل الوصول لهذه اللحظة مع إيران؟
ووفق التقرير، فإن ترامب ونتنياهو توصلا، حتى قبل انطلاق المحادثات مع إيران هذا العام، إلى فرضية أساسية مفادها ضرورة استعداد الحليفين لاحتمال اندلاع حرب مع طهران.
وخلال غداء جمعهما في منتجع مارالاغو في ديسمبر/كانون الأول، اتفق الجانبان مبدئياً على موعد محتمل للتحرك في يونيو/حزيران، بالتزامن مع ذكرى الحرب التي استمرت 12 يوماً بين “إسرائيل” وإيران العام الماضي، بحسب مصادر مطلعة على تلك المناقشات.
وبحسب الصحيفة، كان ترامب يميل إلى منح المفاوضات مع طهران فرصة، وهو ما عارضه نتنياهو بشدة. إلا أن الزعيمين توصلا في نهاية المطاف إلى تفاهم يقوم على استمرار المسار التفاوضي بالتوازي مع تسريع الاستعدادات العسكرية.
وفي إطار هذا التفاهم، استأنف مبعوثو ترامب المحادثات مع إيران، فيما كثف الجيشان الأميركي والإسرائيلي التحضير لما وصفته مصادر مطلعة بـ”عمليات مشتركة أوسع نطاقاً ضد إيران”.
بالنسبة لنتنياهو، شكّل اندلاع الحرب لاحقاً تتويجاً لمسارٍ سياسي امتد لعقود، سعى خلاله إلى ترسيخ انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع طهران.
وفي بداية الصراع في فبراير/شباط، قال نتنياهو من مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، بعد ساعات من إصدار أمر باغتيال قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، إن التحالف مع الولايات المتحدة يتيح لإسرائيل “تحقيق ما كان يطمح إليه منذ أربعين عاماً”.
ويرى التقرير أن الطريق نحو التصعيد الشامل أصبح أكثر وضوحاً بعد هجوم حماس على “إسرائيل” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تغيّرت مقاربة القيادة الإسرائيلية من سياسة الضربات المحدودة إلى السعي لهزيمة خصومها بشكل حاسم.
وخلال العقد الماضي اعتمدت “إسرائيل” ما يسمى عقيدة “المعركة بين الحروب”، وهي استراتيجية تقوم على تنفيذ ضربات دورية لإضعاف الخصوم من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن بعد أحداث 7 أكتوبر تغيّرت هذه المقاربة داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الحين خاضت إسرائيل مواجهات مع حماس وحزب الله وحركة أنصار الله، في إطار ما تصفه “تل أبيب” بمحاولة تفكيك ما تسميه “حلقة النار” المرتبطة بإيران.
غير أن الهدف المركزي لنتنياهو، وفق التقرير، ظل إيران نفسها، التي اعتبرها خصماً إقليمياً رئيسياً منذ بداية مسيرته السياسية.
ويعود أحد أوائل مواقف نتنياهو الداعية إلى مواجهة إيران إلى عام 1992، عندما حذر في نقاش داخل الكنيست من أن طهران تسارع لتطوير سلاح نووي، داعياً إلى تشكيل جبهة دولية بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة هذا التهديد.
ورغم أن توقعاته آنذاك بأن تمتلك إيران قنبلة نووية بحلول عام 1999 لم تتحقق، فإن القضية بقيت محور خطابه السياسي طوال العقود التالية.
وفي السياق نفسه، قال عضو الكونغرس الديمقراطي السابق جون تيرني إن نتنياهو يردد منذ تسعينيات القرن الماضي الدعوة إلى مهاجمة إيران.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة لم يكن حتمياً، إذ فضّل عدد من الرؤساء الأميركيين إدارة التوتر مع إيران من دون الذهاب إلى حرب.
فقد سعى الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، في خطوة عارضها نتنياهو بشدة وضغط على الكونغرس لإفشالها.
أما خلال ولايته الأولى، فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات مشددة على طهران، كما أمر باغتيال القائد العسكري الإيران الحاج قاسم سليماني، لكنه تجنب الدخول في حرب واسعة.
ويرى التقرير أن الردود الإيرانية المحدودة نسبياً على بعض هذه الإجراءات شجعت ترامب على المضي في سياسة أكثر تشدداً.
وفي هذا السياق، قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق إيال حلتا إن التقديرات الأميركية تغيّرت بعد نجاح إسرائيل في اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025، ما دفع المخططين الأميركيين إلى إعادة تقييم كلفة المواجهة المباشرة مع إيران.
ومع ذلك، واجهت إدارة ترامب صعوبة في تبرير توقيت قرار الحرب سياسياً.
ففي الثاني من مارس/آذار أثار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جدلاً عندما قال إن الولايات المتحدة انضمت إلى الحرب لأن إسرائيل كانت على وشك الهجوم، وهو ما سارع ترامب إلى التقليل من أهميته.
وقال ترامب لاحقاً إنه كان معارضاً لإيران “حتى قبل التفكير في موقف إسرائيل”.
ويشير التقرير إلى أن نتنياهو يتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع الرؤساء الأميركيين، إذ خاض خلافات مع بيل كلينتون، وتوترت علاقته مع أوباما، كما واجه خلافات مع جو بايدن، في حين أظهر تقارباً واضحاً مع ترامب.
وفي هذا السياق، قال السفير الأميركي السابق لدى “إسرائيل” توم نيدز إن “الهوس الكامل لنتنياهو بإيران” كان محوراً أساسياً في العلاقات الأميركية الإسرائيلية لسنوات طويلة.
وأوضح أن الإدارات الأميركية المتعاقبة اتفقت على أن إيران تمثل تهديداً لـ”إسرائيل”، لكنها اختلفت حول كيفية التعامل مع هذا التهديد وتوقيت أي مواجهة محتملة.
من جهته، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت إن إقناع رئيس أميركي باتخاذ قرار بالحرب يتطلب مزيجاً من الدبلوماسية والعناد والقدرة على المناورة السياسية.
كما يكشف التقرير أن نتنياهو قدم خلال لقاءات مع ترامب معلومات استخباراتية تشير إلى أن إيران تستعد لنقل أجزاء من برنامجها الصاروخي إلى منشآت تحت الأرض، وهو ما استُخدم لتعزيز الضغط باتجاه العمل العسكري.
وبالتزامن مع تعثر المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في سلطنة عُمان وجنيف، تصاعدت المؤشرات على الانتقال من المسار الدبلوماسي إلى الخيار العسكري.
وفي هذا الإطار، لم ينفِ البيت الأبيض ما أوردته الصحيفة حول وجود اتفاق مبكر بين ترامب ونتنياهو على التحضير لعمل عسكري ضد إيران حتى قبل بدء المفاوضات.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أنا كيللي إن الاحتلال الإسرائيلي تبقى حليفاً قوياً للولايات المتحدة، مؤكدة استمرار التنسيق العسكري الوثيق بين الجانبين.
ويخلص التقرير إلى أن حسابات الإرث السياسي لكل من نتنياهو وترامب تلقي بظلالها على هذه الحرب، في ظل سعي كل منهما إلى ترسيخ موقعه في التاريخ السياسي.
وقال السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين إن نتنياهو يستلهم كثيراً من تجربة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، الذي اعتبره مثاله السياسي الأعلى.
وأضاف أن إيران تمثل بالنسبة لنتنياهو القضية المركزية التي شكّلت جوهر مسيرته السياسية على مدى عقود.
المصدر: صحيفة “فايننشال تايمز”




