افتتاحية اليوم: جرعة دعم فرنسية للبنان

حملت زيارة الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو، أمس الأول، إلى لبنان أكثر من مجرد محطة بروتوكولية، لتتحول إلى رسالة سياسية واضحة تعكس تمسك باريس بثوابت سياستها تجاه لبنان، وفي مقدّمها دعم سيادته واستقراره، واستمرار التزامها العسكري ضمن قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) منذ عام 1978.
اللقاءات التي جمعت المسؤولة الفرنسية بالرؤساء الثلاثة جوزاف عون، ونبيه بري، ونواف سلام، لم تكن معزولة عن سياق الحرب المندلعة في المنطقة.
من هنا، بدا الحضور الفرنسي بمثابة إعادة تثبيت لدور تاريخي تسعى باريس إلى الحفاظ عليه، في وقت تتراجع فيه أدوار دولية أخرى أو تعيد تموضعها وفق حسابات مصالحها.
فالرسالة الفرنسية حملت في طياتها بُعدين أساسيين: الأول، تأكيد سياسي واضح على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، في مواجهة أي محاولات لفرض وقائع ميدانية تتجاوز الدولة ومؤسساتها. أما البعد الثاني، فتمثّل في التشديد على استمرار الالتزام بقوات “اليونيفيل”، ليس فقط كواجب دولي، بل كجزء من رؤية فرنسية أوسع للحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، ومنع تطور المواجهات أكثر مما هي عليه اليوم.
هذه الزيارة تعكس أيضاً إدراكاً فرنسياً بأن لبنان يقف اليوم على مفترق طرق، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع توترات سياسية داخلية. وفي ظل هذا الواقع، تسعى باريس إلى لعب دور الضامن أو الداعم لتوازن دقيق، يمنع انهيار المؤسسات ويحدّ من تداعيات التصعيد العسكري الموجود بين لبنان وإسرائيل.
غير أن أهمية التحرك الفرنسي لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته؛ فمع تصاعد التوترات الإقليمية، وارتفاع منسوب المواجهة غير المباشرة بين قوى كبرى، يصبح جنوب لبنان ساحة حساسة لأي احتكاك أو خطأ في الحسابات. وهنا، يأتي التشديد الفرنسي على دور “اليونيفيل” كعامل استقرار أساسي، وكمظلة دولية لا تزال قادرة على احتواء التوترات، ولو ضمن حدود معينة.
في المقابل، تعي باريس أن دورها، رغم أهميته، ليس كافياً وحده لإحداث تغيير جذري في المشهد اللبناني؛ فالدعم الخارجي يبقى مشروطاً بقدرة الداخل على استثماره، سواء عبر تعزيز مؤسسات الدولة أو عبر تجنّب الانزلاق إلى صراعات داخلية أو إقليمية. لذلك، يمكن قراءة الزيارة أيضاً كدعوة مبطّنة للقوى اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها، والاستفادة من الغطاء الدولي المتاح بدل إهداره.
لا شك أن زيارة أليس روفو تؤكد أن فرنسا لا تزال تعتبر لبنان جزءاً من أولوياتها الاستراتيجية، وأنها مستعدة لمواصلة دعم استقراره ضمن الأطر الدولية القائمة. لكن هذا الدعم، مهما بلغ حجمه، يبقى رهناً بمدى قدرة لبنان على حماية نفسه سياسياً ومؤسساتياً، في مواجهة عواصف إقليمية لا تبدو في طريقها إلى الانحسار قريباً.




