رأي

هل يتآكل عصر الدولة في الشرق الأوسط؟

 عبدالكريم سليمان العرجان – العرب:

الشرق الأوسط يشهد تحوّلًا من نموذج الدولة القومية إلى “السيادة الشبكية” حيث تتراجع قدرة الدول على احتكار القوة لصالح شبكات مرنة عابرة للحدود تمتلك مواردها الخاصة.

لم تعد اللحظة الراهنة في الشرق الأوسط قابلة للفهم عبر مفاهيم التصعيد التقليدية وحدها، بل تفرض إعادة نظر أعمق في طبيعة القوة ذاتها. نحن أمام تحول تدريجي من نموذج “الدولة القومية” الكلاسيكية إلى ما يمكن تسميته بـ”السيادة الشبكية”، أي منظومات نفوذ عابرة للحدود لا تستند إلى مركز واحد، بل إلى شبكة مرنة من الفاعلين والموارد.

في هذا السياق يواجه الرهان على تحييد الوكلاء عبر الضغط العسكري المباشر معضلة بنيوية. فهذه التنظيمات لم تعد مجرد أدوات تنفذ قرارات مركزية، بل تطورت إلى كيانات شبه مستقلة تمتلك مصادر تمويلها، وشبكاتها اللوجستية، وقدرتها على التكيّف. وقد ظهر ذلك بوضوح في نماذج متعددة بالمنطقة، حيث نجحت جماعات مسلحة في بناء اقتصاد موازٍ يعتمد على التهريب، والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، وثغرات النظام التجاري العالمي. لذلك، فإن أي إستراتيجية تتجاهل تفكيك هذه البنية الشبكية ستبقى محدودة الأثر، أقرب إلى “إدارة الأزمة” منها إلى حلها.

بالتوازي مع هذا التحول تعود الجغرافيا الصلبة لتفرض نفسها بقوة، ولكن بأدوات معاصرة. فالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز لم تعد مجرد نقاط عبور، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي عالي التأثير. هنا تتجسد مفارقة لافتة: في عصر الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية، لا يزال “الاختناق الجغرافي” قادرًا على شل الاقتصاد العالمي. ما نشهده هو شكل حديث من السيطرة البحرية، أقرب إلى “حرب عصابات دولية” تُمارَس عبر تهديد الإمدادات لا عبر المواجهة المباشرة. وبهذا المعنى، لم يعد الردع يُقاس فقط بالقدرة العسكرية التقليدية، بل بالقدرة على تعطيل التدفقات الاقتصادية الحيوية.

الجغرافيا الصلبة تعود لتفرض نفسها عبر الممرات الحيوية والاختناقات الإستراتيجية وتكشف أن الردع لم يعد يُقاس بالقوة التقليدية فقط، بل بالقدرة على تعطيل التدفقات الاقتصادية

أما على المستوى الميداني، فإن تصاعد الحديث عن “المناطق العازلة” يكشف إشكالية أعمق. فهذه السياسات، رغم ما تبدو عليه من حلول أمنية، تعكس في جوهرها صعوبة تحقيق “نصر حاسم” في مواجهة خصم شبكي مرن. وعندما تُطرح خيارات مثل تدمير البنى التحتية أو إخلاء المناطق الحدودية، فإن ذلك يشير إلى انتقال الصراع من محاولة الحسم إلى إدارة الاستنزاف. في هذه الحالة، تصبح المنشآت المدنية -من جسور ومطارات وبنية تحتية- جزءًا من معادلة الضغط المتبادل، لا مجرد ضحايا جانبية.

ما يتشكل تدريجيًا هو نمط من “الصراع المزمن”، حيث لا تستطيع أي جهة فرض سيطرة كاملة، ولا يملك الطرف الآخر القدرة على الانكفاء. هذه الحالة لا تعني نهاية الدولة بالضرورة، لكنها تشير إلى تآكل احتكارها التقليدي للقوة والسيادة لصالح فاعلين أكثر مرونة وانتشارًا.

في المحصلة، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد جولة جديدة في سلسلة صراعات، بل تعبيرًا عن خلل أعمق في أدوات الفهم والإدارة. فالعالم لا يزال يحاول التعامل مع شبكات معقدة بعقلية دبلوماسية تقليدية، تركز على الدول كمراكز وحيدة للقرار. ومع استمرار هذا الخلل، ستبقى المنطقة عالقة في دوامة عنف منخفض الحسم، مرتفع الكلفة.

السؤال الأهم ليس ما إذا كان عصر الدولة قد انتهى، بل ما إذا كانت الدول قادرة على إعادة تعريف دورها داخل هذا الواقع الشبكي الجديد. فإما أن تطور أدوات أكثر مرونة تستوعب هذا التحول، أو تستمر في فقدان قدرتها على التحكم بمسارات الصراع داخل حدودها وخارجها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى