رأي

هل تتكرّر صفقة كاراكاس في بغداد؟

عبد اللطيف السعدون – العربي الجديد:

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع أمامه، وهو يتعامل مع حكومة بغداد، تجربته مع فنزويلا التي أعطته أكثر مما كان يأمله، وقد كان مستحيلاً إلى ما قبل عدة شهور أن تضع فنزويلا 65% من نفطها الذي يحتل المركز الأول في العالم، والذي يقدر الاحتياطي منه بـ303 مليارات برميل في يد الولايات المتحدة، لكن هذا أصبح ممكناً بعد واقعة اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو واعتقاله، ما ضمن للأميركيين الهيمنة على سياسات كاراكاس، ومن نتائجها الاتفاقية التي بموجبها سينقل النفط الفنزويلي من البئر إلى المستهلك، تحت الإشراف المباشر للولايات المتحدة لمدة 25 عاماً (قال ترامب إن الاتفاقية ستمدّد إلى مائة عام).

ويبدو معظم الفنزويليين غير راضين عن الاتفاقية، وإن حصلت على موافقة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، المحسوبة على الحزب الاشتراكي الموحد الذي كان يقوده مادورو. وبالطبع، في مقدمة المعارضين لعقد الاتفاقية أعضاء حزب مادورو. ولكن ما يلفت الانتباه أن معظم شخصيات المعارضة التقليدية، والشخصيات المستقلة الذين كانوا، إلى حد قريب، يدعون واشنطن إلى التدخل عارضوا الاتفاقية، وطالبوا ببرلمان منتخب يقرّر الموقف منها، وهناك شريحة ذكية تقرّ بأن واشنطن ليست جمعية خيرية تعطيهم كل شيء مقابل لا شيء، وقرّرت دعم خطوات ترامب الأحادية، والترحيب بها.

وبات السؤال الأكثر تردّداً على شفاه الفنزويليين: ماذا بعد النفط؟ وهم يدركون أن القاطرة التي يقودها ترامب لن تتوقف، وأن ثلاثة عناصر أخرى في فنزويلا مرصودة منه، الدولار والاتصالات والمعادن، وقد وضع ترتيبات الاستحواذ عليها في يد أحد كبار مساعديه، ماركو روبيو الكوبي الأصل الذي أصبح في عمله أشبه بالمندوب السامي لواشنطن في كاراكاس، وهو يؤمن بأن “الجيوبوليتيك” لفنزويلا وجيرانها يستقر في قلب الولايات المتحدة، وليس خارجها، وفي ذهنه أنه بعد الاستحواذ على الأصول الفنزويلية تماماً، وليس قبل ذلك، يمكن لفنزويلا أن تقيم نظاماً (ديمقراطياً) كما تريد زعيمة المعارضة اليمينية، ماريا كورينا ماتشادو، التي تريّث ترامب في إعطائها الدعم الكامل، إلى حين حصوله على أكبر قدر من المكاسب، ولخشيته من أن تعمل على إجهاض خططه، وهي التي لم تتردّد في انتقاد اتفاقية النفط التي قالت إنها ينبغي أن تحظى بمصادقة برلمان جديد منتخب ديمقراطياً، ومن دون تدخّل.

العراق دولة منقوصة السيادة، وواقعة عملياً تحت نفوذ أميركا وهيمنة إيران

وبعد، هل في حيثيات هذه الصفقة وما يمكن أن تحققه ما يجعل منها قابلة للتكرار في العلاقة مع بغداد مع اختلاف المعطيات، وتباين الظروف؟ معروفٌ أن العراق دولة منقوصة السيادة، وواقعة عملياً تحت نفوذ أميركا وهيمنة إيران، وأن العراقيين يناضلون من أجل طرد النفوذ الأجنبي، إلا أن معظمهم ليس لديهم الحول ولا الطول لمقاومة خطط واشنطن، بل إنهم في غالب الأحوال يرومون التخلص من الهيمنة الإيرانية التي باتت تشكّل “احتلالاً” مقنعاً لبلادهم يستحيل الفكاك منه من دون تدخل قوة خارجية فاعلة، ويرون في خطط واشنطن في إبعاد حكومة بغداد عن السير في ركاب طهران، والعمل على تفكيك المليشيات المرتبطة بالحرس الثوري، وحصر السلاح بيد الدولة ما يتفق، إذا ما تحقق عملياً، مع سعي العراقيين لاستكمال سيادة بلدهم، ووضعه على المسار الصحيح، خصوصاً بعدما تعاظم دور هذه المليشيات، وتحولت إلى “دولة عميقة”، وفق المخطط الذي رسمه من قبل قاسم سليماني، القطب المؤثر في القرار العراقي حتى رحيله، وتطوّر فعلها عندما دخلت المعترك السياسي على نحو مباشر، وأنشأت أحزاباً، وأصبح لها ممثلوها في البرلمان وفي الحكومة، بل وأصبح لها رأيها في تسمية الوزراء والسفراء والمستشارين، وإقامة مكاتب اقتصادية وبنوك، بما يعني أنها أقامت دولتها الخاصة، وأصبح من الصعب الاقتراب منها أو مواجهتها من دون جهة قادرة على ذلك.

أمام هذه الوقائع، حدّدت بغداد، وباتفاق تام مع واشنطن، الثلاثين من سبتمبر/ أيلول الجاري، موعداً نهائياً لإنجاز خطوة تفكيك المليشيات ونزع أسلحتها، وهنا استنفرت طهران كل ما يمكنها لوضع الأحجار في طريق ذلك، ويبدو أنها نجحت، إلى حد ما، وأن هناك نوعاً من التراجع عن اعتماد هذا التاريخ مهلة نهائية، وشكّل هذا عقدة صعبة لا نظن أن الأيام القليلة الباقية ستوفر حلاً لها إلا إذا قرّرت واشنطن اعتماد ما فعلته في كاراكاس، لننتظر ونرَ..

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى