نظام عالمي جديد بملامح صينيّة

عدي جوني – العربي الجديد:
في أقلّ من أسبوع، استقبلت الصين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في مشهدَيْن عكسا تنامي النفوذ الصيني في ميزان القوى العالمي الذي باتت تمثّل فيه بكين القاطرة الرئيسة لنظام عالمي جديد يتشكّل في الأفق بملامح قوّة ناعمة تستند إلى الطاقة المتجدِّدة على حساب الوقود الأحفوري. وأثبت التاريخ بشكل لا يقبل الجدل أن تغيّر الشكل السائد لنظام الطاقة لا بدّ أن يتبعه تغيّرٌ في النظام العالمي، فالانتقال من الطاقة الشراعية إلى البخارية وضع الفحم الحجري أساساً للتجارة العالمية والنظام العالمي، ومهّد لظهور بريطانيا قوة بحرية كبيرة. وعندما جاء النفط بديلاً وجدت بريطانيا نفسها ملزمة بالبحث عن مصادر الطاقة الجديدة خارج حدودها كما قال تشرشل (كان حينئذ لورد الأدميرالية الأول؛ أي ما يشبه حالياً وزير الدفاع): “علينا أن نحمل السلاح لمواجهة بحر من التحدّيات والمصاعب مع تحوّل البحرية إلى النفط”.
أنفقت الصين في عام 2024 ما يزيد على 600 مليار دولار في مجال الطاقة المتجدّدة لتتفوّق على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاً
ونحن الآن نمرّ، كما كتب الصحافي البريطاني جوناثان واتس في “الغارديان” (17/5/2026) تحت عنوان “حقبة النفط الأميركية تنهار والقادم قد يكون قبيحاً”، بمرحلة تحوّل من “حقبة البترول التي تهيمن عليها الولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج إلى حقبة الطاقة النظيفة المتجدِّدة التي تتصدّرها الصين”. وما يجري حالياً في منطقة الخليج وحالة الاستعصاء في مضيق هرمز ليسا سوى مواجهة بين ما يسمّيها واتس “فاشية الوقود الأحفوري” التي تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء حفاظاً على مكاسبها، وطاقة نظيفة أقلّ كلفة وأكثر أماناً من الناحية البيئية. لعلّ من أطرف التفسيرات التي يمكن طرحها للدلالة على حدّة هذه المواجهة هي تلك النكتة التي تداولتها الصحافة العالمية أكثر من مرّة: “كم هي محظوظة أميركا! في كل مكان تسعى إلى نشر قيم الديمقراطية والحرية تجد نفطاً”.
من تابع الموقف الصيني ممّا جرى (ويجري) في منطقة الخليج العربي لن يجد صعوبة في ملاحظة الكليشيهات الدبلوماسية المكرّرة التي توضح أنّ بكين لا تبدو مستعجلة لفتح مضيق هرمز لأسباب عديدة، منها أنّ مواردها النفطية لم تدخل مرحلة الاستعصاء، فضلاً عن وجود بديل آخر يحميها من الدخول في عنق الزجاجة، ناهيك عن أنّ إيران تسمح بمرور السفن الصينية المحملة بالنفط من المضيق، ولا تجرؤ الولايات المتحدة على مصادرتها. بيد أنّ هذا ليس سوى الصورة الظاهرة للعيان التي تخفي في طيّاتها ملامح المستقبل الذي عبَّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، في خطابه أمام الاجتماع الوزاري لوكالة الطاقة الدولية في باريس في فبراير/ شباط الفائت: “لقد دخلنا عصر الطاقة النظيفة، ومن يقود هذا التحوّل هو الذي سيقود النظام الاقتصادي العالمي في المستقبل”.
تكشف لغة الأرقام التي نشرتها وكالة الطاقة الدولية في تقريرها “الاستثمار العالمي في مجال الطاقة 2025” (متاح على موقع الوكالة على الإنترنت) أنّ الصين أنفقت خلال عام 2024 ما يزيد على 600 مليار دولار في مجال الطاقة المتجدّدة لتتفوّق على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاً. ويتركّز هذا الاستثمار المتزايد في الطاقة النظيفة في ثلاث صناعات رئيسة، هي السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم والطاقة الشمسية. وقفز المنحنى التصاعدي لهذا الاستثمار خطوة كبيرة إلى حدّ أنّ الصين وصلت فعلياً في عام 2024 إلى الأهداف التي كانت تخطّط لبلوغها في 2030 في مجال استثمار قطاع الطاقة الشمسية والرياح وتطويره. ويضيف التقرير أنّ الصين حقّقت بالفعل الهدف المراد بلوغه في مجال توليد الطاقة الكهربائية وهو 1200 غيغاواط، على أمل أن تصل إلى 2700 غيغاواط في عام 2030، مع رفع نسبة الاستفادة من الطاقة الشمسية والرياح إلى 40%. ووفقاً للتقرير نفسه بلغت نسبة مشاركة قطاعات الطاقة النظيفة في معدّل النمو الاقتصادي أكثر من 30% مع تسيّد الصين صناعة كلّ ما يتعلّق بالطاقة الشمسية، والرياح، والسيارات الكهربائية، وسلاسل توريدها. ومن المتوقّع زيادة حجم الاستثمار في هذا القطاع خلال الفترة ما بين عامي 2026 و2033 ليصل إلى 700 مليار دولار، وتوسيع سوق الطاقة المتجدِّدة بنسبة 16% حسب معدّل النمو السنوي المركّب (CAGR)، وهو مقياس مالي يحدّد متوسّط معدّل نمو الاستثمار أو الإيرادات سنوياً على مدى فترة محددة، بافتراض نمو ثابت مع إعادة استثمار الأرباح.
وفي ما يخصّ الحدّ من انبعاث الكربون، فتخطّط الصين، التي تُعد حالياً مع الولايات المتحدة من أكبر المساهمين في زيادة الانبعاثات الكربونية في العالم، إلى بلوغ أقصى حدّ في عام 2030، ومن ثمّ تبدأ مرحلة الحدّ من استخدام الطاقة التقليدية، بهدف الوصول إلى ما يعرف علمياً باسم حيادية الكربون، أي تحقيق توازن دقيق بين كمّية انبعاثات غازات الدفيئة (خاصّة ثاني أكسيد الكربون) في الغلاف الجوي، والكمّية التي تُزال أو تمتصّ منه بغية الوصول إلى “صافي انبعاثات صفري” عن طريق خفض الانبعاثات أولاً، ثمّ تعويض المتبقّي منها عبر مشاريع بيئية، مثل التشجير، أو تقنيات احتجاز الكربون.
في السياق نفسه، يوضّح تقرير للأمم المتحدة بعنوان “الطاقة المتجدّدة: من أجل مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً” أنّ التحوّل إلى الطاقة النظيفة المتجدّدة أقلّ كلفة بنسبة 50% مقارنة مع الوقود الأحفوري. كما يعدُّ أحد محفّزات النمو الاقتصادي لجهة توفير فرص العمل، إذ يشير التقرير نفسه إلى أنّ هذا القطاع قدّم فرص عمل لما يزيد عن 16 مليون شخص في شتّى أنحاء العالم في عام 2023، بلغت نسبة السوق الصينية فيها أكثر من سبعة ملايين فرصة، أي ما يعادل 46%. يضاف إلى ما سبق أنّ الانتقال إلى الطاقة النظيفة يقلّل الاعتماد على واردات الوقود من الخارج التي قد تتعرّض لمخاطر وتقلّبات كبيرة رهناً بالصراعات الجيوسياسية، وهذا تحديداً ما عملت (ولا تزال تعمل) عليه الصين كيلا تتحوّل وارداتها من الطاقة التقليدية إلى عبء استراتيجي يقيّد سعيها الدؤوب لمراكمة وسائل القوة بما فيها المجال العسكري.
عملت (ولمّا تزل) الصين كيلا تتحوّل وارداتها من الطاقة التقليدية إلى عبء استراتيجي يقيّد سعيها الدؤوب لمراكمة وسائل القوة بما فيها المجال العسكري
لم تأت هذه الخطوات التي حقّقتها الصين من فراغ، بل تعود في جذورها الأولى إلى عهد شياو بينغ (1978- 1989) الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الفكر الاستراتيجي الصيني وتحوّلات عميقة في إدارة البلاد سياسياً واقتصادياً ضمن إطار ما أطلقت عليه حينئذ قيادة الحزب الشيوعي الصيني مسمّى “اشتراكية بملامح صينية”، الذي أعاد الباحث والأكاديمي البريطاني ديفيد هارفي صياغته إلى “نيوليبرالية بملامح صينية”، في كتابه “الموجز في تاريخ النيوليبرالية” (جامعة أوكسفورد، 2005، ص 120). إن كان مصطلح الثورة الثقافية قد ارتبط باسم الزعيم الصيني ماوتسي تونغ، فإنّ اسم شياو بينغ ارتبط باسم الثورة العلمية بقوله الشهير: “العلم والتكنولوجيا قوى منتجة”، ووضع اللبنات الأولى لزيادة الإنفاق الحكومي على البحث العلمي، وتابعها من خلفوه في قيادة البلاد. وبالعودة إلى لغة الأرقام، لفت مجلس الجامعات الأميركية في تقرير صدر في 31 مارس/ آذار الماضي إلى أنّ الجامعات الصينية أنفقت خلال عام 2024 ما يقارب 506 مليارات دولار على البحث العلمي في زيادة كبيرة تفوق ما أنفقته الجامعات الأميركية خلال الفترة نفسها. وفي عام 2025، أنفقت الحكومة الصينية ما يقارب 569 مليار دولار على برامج البحث العلمي في مجالات الزراعة والصناعة والدفاع والطاقة وتكنولوجيا المعلومات بما فيها الذكاء الاصطناعي.
في كتابه “عندما يقفز مليار صيني دفعة واحدة: كيف ستنقذ الصين العالم أو تدمره” (لندن، ويبر وويبر ليمتد، 2010)، يتساءل الصحافي البريطاني جون واتس عمّا سيحدث لو قرّر أكثر من مليار صيني القفز معاً. الجواب بسيط جدّاً: استعدّوا، لأنّنا سنسمع ضجيجاً يصمّ الآذان، والأرض ترتجّ تحت أقدامنا.




