«مينورسو» تغادر الصحراء الغربية: الحرب عائدة؟

هشام لطفي مصطفى – الأخبار:
بعد خمسة وثلاثين عاماً على إنشائها، ومع فشل مجلس الأمن في تجديد ولايتها، تطوي بعثة الأمم المتحدة أيامها الأخيرة في الصحراء الغربية، تاركةً خلفها قلقاً متنامياً من اندلاع الحرب، في منطقة واقفة أصلاً على كثبان من البارود.
| باتت «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» (مينورسو) تعدّ أيامها الأخيرة في إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، في وقت تتنامى فيه المخاوف من اندلاع الحرب في منطقة تقف أصلاً فوق كثبان من البارود. ويأتي ذلك بعدما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أول من أمس، انتهاء مهمة «مينورسو» التي عملت هناك على مدى خمسة وثلاثين عاماً، بعدما عجز مجلس الأمن عن تجديد ولايتها. وأخفق المجلس، الجمعة الماضي، في تمرير مشروع القرار الذي قدّمته الولايات المتحدة، بصفتها «حاملة القلم»، والذي كان يقضي بتجديد ولاية البعثة لمدّة عام، وتغيير اسمها إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (مينوسو)، أي حذف حرف «R» الدالّ على الاستفتاء الذي كانت مكلّفة بالمساعدة على إجرائه، فضلاً عن تبنّيه مطلب المغرب بالسيادة على إقليم الصحراء الغربية في إطار مقترح الحكم الذاتي.
ومع أن المشروع الأميركي نال تأييد 11 دولة من أعضاء المجلس (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، البحرين، كولومبيا، الكونغو الديمقراطية، الدنمارك، اليونان، لاتفيا، ليبيريا، وبنما)، في مقابل امتناع ثلاثة آخرين عن التصويت (الصين، باكستان، والصومال)، فإن روسيا أسقطته باستخدام حقّ النقض (الفيتو)، معلّلةً موقفها ذاك برفض ما وصفته بـ«النهج الأحادي الجانب». وفي اليوم نفسه، تقدّمت موسكو بمشروع مضادّ يمدّد ولاية البعثة لعام واحد من دون تعديلات، غير أن هذا المشروع سقط أيضاً، بعدما لم يحظَ سوى بتأييد ثلاثة أعضاء، واعترضت الولايات المتحدة عليه، وامتنع 11 عضواً عن التصويت له، ما حال دون حصوله على الأغلبية المطلوبة.
نصف قرن من النزاع
جاء إنشاء بعثة «مينورسو» عقب سنوات من حرب مدمّرة تعود جذورها إلى عام 1975، حين انسحبت إسبانيا من مستعمرتها السابقة بموجب اتفاق ثلاثي مع المغرب وموريتانيا، أعقبه نزاع مسلّح بين الأخيرتَين و«الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب» (البوليساريو)، التي كانت قد تأسّست عام 1973 لمقاومة الاحتلال الإسباني، قبل أن تعلن «الجبهة»، بشكل أحادي الجانب، عام 1976، قيام «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، التي تتّخذ من ولاية تندوف الجزائرية مقرّاً لها. وفي عام 1979، انسحبت موريتانيا من الإقليم وتخلّت عن مطالبها فيه، ما فتح الطريق أمام المغرب لبسط سيطرته على معظم أراضيه، في وقت ظلّت فيه الأمم المتحدة تصنّف الصحراء الغربية، منذ عام 1963، ضمن «الأقاليم غير المتمتّعة بالحكم الذاتي» المدرجة على جدول أعمال اللجنة الرابعة، أي «لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار».
بعد سنوات من حرب مدمّرة، وافق المغرب و«البوليساريو» مبدئياً، عام 1988، على مقترحات للتسوية قدّمتها آنذاك «منظمة الوحدة الأفريقية» (الاتحاد الأفريقي حالياً) والأمين العام للأمم المتحدة، تلاها صدور القرار 690 عن مجلس الأمن عام 1991، الذي اعتمد رسمياً «خطّة التسوية» وقضى بإنشاء «مينورسو» لمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء يقرّر عبره الصحراويون مصير الإقليم. غير أن هذا الاستفتاء تعذّر تنظيمه تقنياً وسياسياً بفعل الخلاف المزمن بين الطرفَين حول هوية الصحراويين الذين يحقّ لهم التصويت، لتتحوّل «مينورسو»، مع مرور الوقت، من أداة لتطبيق التسوية إلى شاهد على تعثّرها.
ومع تعثّر خيار الاستفتاء، الذي حملت البعثة اسمه طوال خمسة وثلاثين عاماً، أخذ مسار التسوية منحى مختلفاً، تُوّج في الـ31 من تشرين الأول 2025 بتصويت مجلس الأمن لمصلحة القرار 2797، الذي مدّد ولاية البعثة عاماً إضافياً، ودعا إلى إجراء مفاوضات بين أطراف النزاع، أي المغرب و«البوليساريو» والجزائر وموريتانيا، وذلك على أساس مقترح الحكم الذاتي الموسّع الذي تقدّمت به الرباط، وأرادت عبره حلّ نزاع عمّر قرابة نصف قرن.
الرباط تحتفي… والجزائر تأسف
في الرباط، بدا واضحاً أن سقوط المشروع قُرئ بوصفه مكسباً؛ إذ أعلن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في حديث إلى وسائل إعلام رسمية، أن بلاده كانت تعلم مسبقاً أن روسيا ستعترض على النص الأميركي، لكنها رأت في ذلك «فرصة لكي تراجع بعض قواعد اللعبة». أمّا الديوان الملكي، فعدّ، في بيان نشرته «وكالة المغرب العربي للأنباء» الرسمية، عدم تمرير القرار «تطوراً هاماً، وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطيّ النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة»، مضيفاً أن فشل تمديد مهمّة البعثة «يعني بوضوح أن وجودها في «الأقاليم الجنوبية للمملكة»، لا سيما عبر طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة». ووصف البيان «مينورسو» بأنها «موروثة عن سياق عفا عليه الزمن»، وأنها «شكّلت لمدة طويلة أداة لتدويل النزاع»، معتبراً أن عدم التمديد لها «يتعيّن أن يضع حدّاً لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله»، بما يُسقط، وفق الرباط، «أيّ مبرّر» لعقد اجتماعات دورية في المجلس بشأن القضية، أو لتقارير الأمين العام ذات الصلة، أو لإحاطات مبعوثه الشخصي.
ورغم أن تصريحات القصر الملكي المغربي لم تغفل التأكيد أن المغرب «يظلّ متمسّكاً بقوة بوقف إطلاق النار، مع الاحترام التامّ لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه»، فإن ما بدا واضحاً، في إثر التطوّرات الأخيرة، دخول العملية السياسية في الصحراء الغربية، والمفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة هناك، في نفق من الغموض، الذي يغذّي المخاوف من اندلاع حرب جديدة في المنطقة. وفي هذا السياق، أعربت «البوليساريو»، في بيان صدر السبت الماضي، عن «قلقها إزاء حال الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن، والذي نبع أساساً من مشروع القرار الذي قدّمته الولايات المتحدة، والذي عكس تماماً الموقف الوطني لحكومة الولايات المتحدة وموقف دولة الاحتلال المغربي»، مشيرةً إلى أن «ما فاقم من حال الانسداد هو تلك المواقف الصادرة عن قلّة محدودة من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، والتي عكست دعماً واضحاً لسياسات التوسع والاستعمار وتكريساً لنهج ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية». واعتبرت أن تمرير النص الأميركي كان «سيقوّض بشدّة أسس عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، ولشكّل سابقة خطيرة ذات تداعيات مزعزعة للاستقرار على السلم والأمن الإقليميين والدوليين على نطاق واسع».
شهد إقليم الصحراء الغربية عام 2020 استئنافاً محدوداً للأعمال العدائية
أيضاً، حمّل بيان لممثّل «البوليساريو» لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمر، المغرب وحلفاءه «المسؤولية الكاملة عن تقويض ولاية مينورسو، وعن التبعات التي قد تترتّب» على ذلك، مؤكداً أن «رحيل مينورسو لا يُلغي الحقوق غير القابلة للتصرّف للشعب الصحراوي». وإذ جزم أن الشعب الصحراوي سيظلّ متمسكاً بـ«تقرير المصير والاستقلال، وبالدفاع عن حقوقه بجميع الوسائل المشروعة، كما تكرّسها قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة»، فهو جدّد «التزام الجبهة الثابت بالتعاون مع جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، سعياً إلى حلّ عادل ودائم ونهائي لإنهاء استعمار الصحراء الغربية، آخر مستعمرة في أفريقيا».
أمّا الجزائر، أكبر داعمي «الجبهة» والبلد الذي يحتضن مخيّمات اللاجئين الصحراويين، فأعربت عن أسفها لعدم تجديد ولاية البعثة، محمّلةً النص الأميركي مسؤولية ذلك؛ إذ قالت وزارة خارجيتها، في بيان، إن «الانحياز المفرط الذي شاب مشروع القرار المعروض على مجلس الأمن جعل من هذه النتيجة أمراً لا مفر منه». وأضافت أن هذا النص «كان يمهّد الطريق لتحويل تدريجي لطبيعة النزاع في الصحراء الغربية، من قضية تصفية استعمار إلى إشكاليات ذات طابع إنساني بالأساس»، مستدركةً بأن «الحلّ في مجال تصفية الاستعمار يظلّ، بحكم طبيعته، مرتبطاً ارتباطاً لا ينفصم بممارسة الشعب المعنيّ حقه غير القابل للتصرّف والذي لا يسقط بالتقادم في تقرير المصير».
شبح الحرب
عقب انتهاء ولاية البعثة في الـ31 من تشرين الأول، أعلن غوتيريش أن الأول من تشرين الثاني يمثّل بداية مرحلة التصفية، التي سيشرف خلالها فريق مصغّر، يرفع تقاريره إلى إدارة عمليات الدعم في الأمم المتحدة، على إعادة أصول الدول المساهمة بقوات إلى بلدانها بصورة منظّمة. وذكّر الأمين العام، في بيان أصدره المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك، بأن البعثة أُنشئت «لحماية شعب الصحراء الغربية وخدمته، ولا سيما لتمكينه من ممارسة حقه غير القابل للتصرّف في تقرير المصير»، معرباً عن قلقه إزاء الوضع الأمني في أنحاء الإقليم كافة و«مخاطر تصعيد الأعمال العدائية»، وداعياً جميع المعنيّين إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أعمال من شأنها زيادة التوترات أو تقويض الاستقرار الإقليمي».
ولا تأتي هذه التحذيرات من فراغ؛ فالإقليم شهد عام 2020 استئنافاً محدوداً للأعمال العدائية، تحديداً عقب إغلاق أنصار «البوليساريو» معبر الكركرات، الشريان البري الوحيد الذي يربط المناطق الخاضعة للسيطرة المغربية بموريتانيا. ودفع ذلك الجيش المغربي إلى تنفيذ عملية لإعادة فتح المعبر واستئناف الحركة التجارية والمدنية عبره، لتردّ الجبهة بإعلان إنهاء التزامها باتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991 والعودة إلى العمل المسلّح. واليوم، تتزايد التحذيرات من عودة الحرب إلى الإقليم، في ظلّ توتر العلاقات بين المغرب والجزائر، والفراغ الذي يخلّفه رحيل «مينورسو»، وعدم استقرار دول الساحل، والتوتّرات الجيوسياسية والحروب التي تعصف بالمنطقة العربية ككلّ، فيما يغيب أيّ أفق سياسي واضح لنزع فتيل التصعيد.




