رأي

من موسكو إلى واشنطن

تشكل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن نقلة سياسية مهمة لاستعادة دورها في المنطقة، ووضع حد لقطيعة طويلة وعزلة أديتا إلى تداعيات سلبية على مجمل الوضع السوري السياسي والاقتصادي، إذ إن الزيارة تمثل محاولة إنهاء قطيعة الماضي ورسم مسار جديد لعلاقات دولية تتسم بالتوازن، وانفتاح على القوى الكبرى من دون الارتهان لها.
فقد كانت زيارة الشرع إلى موسكو في منتصف الشهر الماضي، وحفاوة الاستقبال من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما تمخضت عنه الزيارة من إعادة ضبط للعلاقات الثنائية على أسس جديدة للروابط التاريخية والعلاقات الخاصة بين البلدين، مدخلاً صحيحاً للتخلص من آثار مرحلة سادها الكثير من التوتر والشكوك جراء العلاقات التي ربطت بين موسكو والنظام السابق، خصوصاً منذ عام 2015.
زيارة الشرع إلى واشنطن تحمل هي الأخرى رمزية خاصة، إذ إنه أول رئيس سوري يزورها منذ عام 1946، وبعد يوم واحد من إزالة اسمه من قائمة العقوبات والإرهاب، على أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم (الاثنين) في البيت الأبيض، وذلك للمرة الثالثة، بعد اجتماعهما في الرياض في مايو/ أيار الماضي، وفي نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي.
تؤشر زيارة الشرع إلى واشنطن إلى برغماتية فعلية في تعاطيه للشأن السياسي من دون التعلق بخلافات أو عداوات قديمة، يستثمرها في تحقيق المصلحة السورية التي تقتضي الانفتاح على الجميع بما يمكنّه من مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا، وتحديداً الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها، والمخاطر المتأتية عن الانقسامات الطائفية التي برزت مؤخراً، والعلاقة مع الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) الذين يطالبون بحكم ذاتي، إضافة إلى العلاقات مع الموحدين الدروز الذين تحاول إسرائيل استخدامهم ذريعة لتدخلها في الشأن السوري الداخلي، وكذلك العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأراضي السورية وتدمير معظم القواعد العسكرية البرية والجوية والبحرية، واحتلالها المزيد من الأراضي في مرتفعات الجولان المحتلة، معتبرة أن اتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1973 لا وجود له، وإعلانها أنها «لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها»، ما يضع حكومة الشرع أمام تحد حقيقي يتعلق بوحدة الأراضي السورية، والسعي لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة اللازمة لعودة اللاجئين، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وتحقيق الوحدة الوطنية.
لذلك تشكل زيارة الشرع إلى واشنطن لحظة مفصلية في العلاقات بين دمشق وواشنطن التي تلعب دوراً مهماً في الضغط على إسرائيل كي تكف عن عدوانها وتدخلها في الشأن السوري الداخلي، كما تهدف إلى إلغاء «قانون قيصر» الذي وضع سوريا تحت سندان العقوبات منذ عام 2019، والسعي إلى تأمين تمويلات لإعادة الإعمار التي قدر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار.
من المتوقع أن يوقّع الشرع خلال زيارته إلى واشنطن اتفاقاً للانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش»، ويبدو أن الحملة الموسعة التي تقوم بها القوات السورية ضد خلايا «داعش» في العديد من المحافظات السورية هي جزء من دور تعهدت دمشق القيام به.
هناك جبال من التحديات أمام النظام السوري الذي يبحث في كل مكان عن الوسائل المتاحة للتغلب عليها من خلال طرق كل الأبواب عبر استثمار علاقاتها الجديدة، بالمحافظة على مسافة واحدة من الجميع، ومن دون الوقوع في فخ الاصطفافات.. لعله ينجح
المصدر: الخليج

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى