
حسين زلغوط – خاص: “رأي سياسي”:

بعباراتٍ مقتضبة، لكنها شديدة الوضوح، قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الطريق أمام موجة التفاؤل التي سادت في الأيام الماضية بشأن إمكان التوصل إلى تفاهمٍ يخفّف من حدّة المواجهة المتصاعدة مع إيران. فحين وصف الرد الإيراني على المقترح الأميركي لإنهاء الحرب بأنّه “غير مقبول إطلاقاً”، بدا وكأنّه يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، ويفتح الباب أمام سلسلةٍ من السيناريوهات المعقّدة التي تتراوح بين التصعيد العسكري والعودة القسرية إلى طاولة التفاوض.
هذا الموقف الأميركي لم يكن مجرّد تعليقٍ عابر على ورقةٍ دبلوماسية، بل حمل في طيّاته مؤشراتٍ سياسية وعسكرية تعكس حجم الهوّة القائمة بين الطرفين. فالإدارة الأميركية تبدو مقتنعة بأنّ طهران ما زالت تحاول كسب الوقت وانتزاع مكاسب سياسية وأمنية لا تتناسب مع ميزان القوى الحالي، فيما تعتبر إيران أنّ الضغوط الأميركية ليست سوى محاولة لفرض شروط استسلامٍ مقنّعة تحت عنوان التسوية.
وفي ضوء هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام أربعة سيناريوهات رئيسية، لكلّ واحدٍ منها تداعياته الخطيرة على الشرق الأوسط والعالم.
السيناريو الأول يتمثّل في العودة إلى التصعيد العسكري المباشر أو غير المباشر. فرفض واشنطن للرد الإيراني قد يدفعها إلى زيادة الضغوط الميدانية، عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلاتٍ أكبر. وفي المقابل، قد تلجأ إيران إلى استخدام أوراق القوة التي تمتلكها في المنطقة، سواء عبر حلفائها أو من خلال تهديد الملاحة والطاقة، لإثبات أنّها قادرة على رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.
ويخشى كثيرون أن يقود هذا السيناريو إلى انزلاقٍ غير محسوب نحو مواجهةٍ أوسع، خصوصاً أنّ المنطقة تعيش أصلاً فوق برميلٍ من التوترات المتراكمة، من غزة إلى جنوب لبنان، مروراً بالعراق والبحر الأحمر، وأيّ خطأٍ في الحسابات قد يحوّل الاشتباك المحدود إلى حربٍ إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها.
أمّا السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار لعبة “الضغط مقابل الصبر”، بمعنى أن تواصل الولايات المتحدة سياسة التضييق السياسي والعسكري، فيما تعتمد إيران استراتيجية النفس الطويل، مع محاولة امتصاص الضغوط وانتظار تغيّر الظروف الدولية أو الداخلية الأميركية. وهذا السيناريو يبدو واقعياً إلى حدٍّ كبير، لأنّ الطرفين يدركان أنّ الحرب الشاملة تحمل مخاطر هائلة لا يمكن ضمان نتائجها.
وفي هذا الإطار، قد نشهد مرحلةً طويلة من المراوحة، تتخلّلها رسائل نارية محسوبة وتصعيد محدود مضبوط الإيقاع، من دون الوصول إلى انفجارٍ شامل أو اتفاقٍ نهائي، وهي سياسة اعتادت عليها المنطقة خلال السنوات الماضية، حيث تبقى الأزمات معلّقة بين الحرب والتفاوض.
السيناريو الثالث يتمثّل في العودة غير المباشرة إلى المفاوضات، رغم اللهجة الحادّة الحالية. فالتجارب السابقة بين واشنطن وطهران أظهرت أنّ التصريحات المتشدّدة غالباً ما تكون جزءاً من عملية التفاوض نفسها. لذلك، قد يكون رفض ترامب محاولةً لرفع سقف الضغط قبل العودة إلى صيغةٍ تفاوضية جديدة بشروطٍ معدّلة.
وفي حال دخلت وساطات إقليمية أو دولية على الخط، فقد يُعاد تدوير المقترحات بطريقةٍ تحفظ ماء الوجه للطرفين. فالولايات المتحدة لا تريد الظهور بموقع المتراجع أمام إيران، وطهران بدورها لا تستطيع القبول باتفاقٍ يبدو وكأنّه رضوخٌ كامل للإملاءات الأميركية. لذلك، فإنّ أيّ تسوية محتملة ستحتاج إلى صياغةٍ دقيقة تتيح لكلّ طرف إعلان “انتصاره السياسي” أمام جمهوره الداخلي.
أمّا السيناريو الرابع، والأخطر، فهو انهيار المسار السياسي بالكامل والدخول في مرحلة فوضى استراتيجية مفتوحة. ففي حال اقتنع كلّ طرف بأنّ الآخر غير مستعدّ للتنازل، قد تنتقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، عنوانه استنزاف طويل الأمد يشمل الأمن والاقتصاد والطاقة. وهذا السيناريو ستكون له انعكاسات كارثية على أسواق النفط والاستقرار الإقليمي، وحتى الاقتصاد العالمي.
وفي جميع الأحوال، يبدو واضحاً أنّ رفض ترامب للرد الإيراني لم يكن مجرّد موقفٍ تفاوضي عابر، بل محطة مفصلية قد تعيد رسم مسار الأزمة بأكملها. فالمنطقة تقف اليوم عند تقاطعٍ حسّاس بين خيارين: إمّا الذهاب نحو تسويةٍ صعبة ومؤلمة، وإمّا الانزلاق نحو مرحلةٍ أكثر اضطراباً وغموضاً.




