ماذا سيفعل الخليج وأميركا لو حُصر سلاح العراق بيد الفصائل؟

محمد الخزاعي – الميادين:
القصف السعودي–الأميركي للعراق، يُمثّل بدايةَ تصعيدٍ إقليميٍّ أوسع ويستهدف السيادةَ العراقية والحشد الشعبيَّ ضمن صراعٍ يتجاوز حدود العراق.
بينما كانت ملايين الأقدام تشقّ طريقها فجراً نحو كربلاء المقدسة وفاءً وإحياءً لأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، كانت أصوات الطائرات السعودية – الأميركية تشقّ سماء العراق، قاصفةً مواقع المؤسسات العسكرية العراقية، وفي مقدمها مواقع هيئة الحشد الشعبي.
توقيتٌ لم يكن بريئاً ولا عابراً؛ بضربة وقعت في موسم يستعيد فيه العراقيون معنى الثبات، أمام من يظنّ أن استباحة الدماء والسيادة كفيلة بكسر الإرادة الوطنية العراقية، تماماً كما ظنّ أهل الكوفة يوماً، أنّ الجيش الأموي – اليزيدي كفيل بإخماد صوتٍ رفض الباطل، وجعل من المقاومة حقّاً مشروعاً ضد الطغاة وأحلافهم.
فعلى ما يبدو أنّ ثمة من يُريد للعراق ومحيطه العربي – الإقليمي (الشعبي) أن ينشغلوا بصوت الانفجار، لا بمن يقف خلف الزناد، ولا بالخريطة السياسية – العسكرية الأبعد التي يُرسم عليها هذا الفصل من فصول صراع إقليمي لم تُطوَ آخر صفحاته، بل فُتحت مصارعه.
فالسيادة، حين تُستباح باسم أمن الجوار، لا تُستعاد بعد ذلك ببيان استنكار، بل بإرادة دولة تعرف أن حراسة حدودها لا يجوز أن تُستأجر من الخارج، ولا أن تُدار بمنطق الحسابات الأبعد من مصلحتها المباشرة.
هذا بالضبط ما يجري اليوم، حين تجد بغداد نفسها موضوعاً للاستهداف، لا طرفاً في معادلة تتجاوزها بالموقف الحازم والقرار الصارم، وحين يتحوّل ترابها إلى ساحة تُستنزف فيها حسابات لا تخصها وحدها، بل تخص محوراً إقليمياً بأكمله، يعيد رسم موازين قواه على وقع حرب أشمل، ما تزال في بداياتها لا في خواتيمها.
وليس المقصود ها هنا استعادة تفصيلات فجر الأربعاء الذي اتخذت منه السعودية جملاً لترتيب أوراق واشنطن، التي تُريد خلطها بغية وأد ملف الانسحاب في أيلول/سبتمبر المقبل من العراق، ودفع إيران إلى كشف مزيد من أوراقها العسكرية المتعلقة بالأذرع قبل المواجهة الحاسمة، التي ما زالت قيد التلقيم. فتلك تفصيلات ربما يطلع عليها القارئ من نشرات الأخبار، بل ما يعنينا أن نضع هذه اللحظة في سياقها الأعمق، ونتساءل: من الذي يريد لهذا الملف أن يبقى مفتوحاً، ومن الذي يستثمر في إبقاء العراق حقل تجارب لصراع لم يختره، ولم يُستشر في توقيته ولا في أدواته؟
وقبل أن يُبنى أي حكم على هذه اللحظة الفارقة بمعزل عما حولها، أرى لزاماً أن أنبّه إلى أن ما نشهده اليوم ليس حدثاً مكتملاً بذاته، بل حلقة في مسار ممتد سيتواصل عاماً كاملاً على الأقل، ما دامت جذوة هذه الحرب الإقليمية لم تنطفئ بعد.
فالمنهج السليم في قراءة مثل هذه الوقائع لا يقوم على تجميد اللحظة والحكم عليها بمعزل عن سياقها، بل على تتبع نسق التطورات المقبلة، بعقل اختيار جبهة الحق، لا حقل الصفقات.
وعلى هذا الأساس، يمكن تفكيك المشهد في ثلاث زوايا متكاملة: (حسابات واشنطن والرياض، واحتمالات اتساع الحرب إقليمياً، وتفاعلات المشهد الداخلي العراقي).
فنجد، على مستوى الحسابات الأميركية – السعودية، أن هناك قراءات غربية متكررة منذ نحو عام تشير إلى أن الهدف الأميركي كان توريط دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، مع إبقاء واشنطن والكيان الإسرائيلي بعيدين نسبياً عن واجهة الاشتباك. غير أنّ دول الخليج حاولت التملّص طويلاً من هذا السيناريو، وفضلت الدعم المالي، ما اضطر واشنطن إلى الدخول مع “تل أبيب” في مواجهة مشتركة ضد طهران، أفرزت تعاطفاً عربياً – شعبياً لافتاً مع الجانب الإيراني، لم يكن في حسبان صانع القرار الأميركي – الخليجي.
في قبال ذلك، كانت طهران قد أعدّت مسبقاً بنك أهدافها، على قاعدة أنّ المنشآت الخليجية تقع في قلب دائرة الصراع، سواء أعلنت هذه الدول انخراطها في الحرب أم لم تعلن، عادةً حقول الطاقة الخليجية خاصرةً رخوةً للمشروع الأميركي في المنطقة، وهو ما فسّر استمرار استهدافها.
فعلى مدى أشهر هذه الحرب، امتنعت دول الخليج عن الانخراط المباشر في مواجهة إيران، لعوامل ثلاثة:
- إدراكها فارق موازين القوى العسكرية والتكتيكية مع طهران.
- ضعف ثقتها بجدية المظلة الأميركية حين تشتد الأزمة.
- حرصها على سمعتها الإقليمية من الانزلاق إلى تحالف مكشوف مع الكيان الإسرائيلي.
غير أن ما يُعرف بحرب الأربعين يوماً بدّل هذه المعادلة، ودفع واشنطن إلى إعادة حساباتها بما يفرض على دول الخليج، وفي مقدمتها الرياض، دخولاً تدريجياً إلى دائرة المواجهة، مهما كلّف ذلك من أثمان.
ولا يفوت القارئ أن يلحظ أن هذا الدفع الأميركي جاء من خلال مقاربة متعددة المسارات، تبدأ بسحب الكيان الإسرائيلي مؤقتاً من واجهة المشهد، تمهيداً لتقبّل الشارعين العربي والإسلامي دخول تركيا والرياض وبعض دول الخليج، وتمر بتطمين السعودية من خلال ما يشبه مظلة حماية باكستانية تُقيّد يد طهران، وتُدخل إسلام آباد في صلب الحسابات الإيرانية قبل أي تصعيد مباشر ضد المملكة، وتصل إلى قناعة أميركية بعدم جدوى الحياد أصلاً، ما دامت إيران تمارس القصف فعلياً من دون التزام مقابل بالحياد.
ولعلّ من أخطر ملامح هذه المقاربة أنها تفضّل عدم مواجهة طهران مباشرة، بل استنزاف أذرعها أولاً، بدءاً من أنصار الله في اليمن، إلى حزب الله في لبنان، وصولاً إلى الفصائل في العراق، مع تشجيع موازٍ لقوى أخرى على التمدد في الجغرافيا الشامية، وبخاصة مليشيات الجولاني.
وعلى طرف آخر، ثمة ما يشي بأن تفاهماً ما قد عُقد بين الرياض وواشنطن بعد مشاورات نتنياهو وترامب في البيت الأبيض، يجعل من الانخراط السعودي في هذه الحرب – لا مجرد تطبيع سياسي – ثمناً لملف حساس بحجم البرنامج النووي السعودي المدني، وهو احتمال يبقى في خانة التحليل لا اليقين، لكنه ينسجم مع وتيرة التقارب الملحوظة في الأشهر الأخيرة.
كما أن من غير المستبعد أن تكون واشنطن قد أوصلت إشارات ضغط مباشرة أو غير مباشرة إلى ولي العهد السعودي، مفادها أنّ التلكؤ في تنفيذ هذا الدور قد يُفضي إلى ترتيبات بديلة داخل هرم السلطة، أو إلى تحجيم الدور القيادي السعودي في الخليج لمصلحة أطراف إقليمية أكثر تجاوباً مع المشروع الأميركي، وبخاصة أنّ الخصم الإماراتي جاهز لاستلام مقاليد هذا الدور كلياً.
وهذه الأسباب مجتمعة، أو بعضها على الأقل، هي ما أراه كامناً خلف قرار الرياض دخول هذه المواجهة، بوصفها مقدمةً لمواجهة أوسع مع إيران، لا فعلاً مُنعزلاً بذاته.
وعلى صعيد احتمالات اتساع الحرب إقليمياً، فإن الجواب ليس معقداً بقدر ما هو مقلق. فإذا سارت الحسابات السعودية والأميركية على النحو المرسوم لها، فإن دخول الرياض قد يفتح الباب أمام انخراط تدريجي لبقية دول الخليج، باستثناء سلطنة عُمان على الأرجح، وربما الكويت إن أحسنت قراءة موقعها الجغرافي والسياسي مع العراق. ودخول الرياض لا يعني مجرد توسيع دائرة الأطراف المتحاربة، بل يعني عملياً – كما أشرتُ في مناسبات سابقة – احتمالية مواجهة برية شرسة على أكثر من جبهة، بين قوى متصارعة في بلاد الشام مع فصائل المقاومة العراقية من جهة، وحزب الله اللبناني من جهة أخرى.
كما أن مثل هذا التصعيد سيضع باكستان في موقف بالغ الحساسية، مخيّرةً بين حماية حليف تاريخي بحجم السعودية والتخلي عن دور الوساطة الذي طالما لعبته مع طهران، وبين الامتناع عن الانخراط في مواجهة مباشرة مع طهران، وهو امتناع قد يصب، من حيث لا تدري، في مصلحة تحالف بديل بين واشنطن و”تل أبيب” ونيودلهي وأبو ظبي، يبدأ بإنهاك إيران، ثم تركيا، ثم باكستان نفسها في نهاية المطاف.
وفي المقابل، إن حدث ما يحول دون انخراط سعودي كامل في هذه الحرب، وهو الاحتمال الأرجح في تقديري، فإن خطوة القصف الأخير على العراق ستُصنَّف لاحقاً ضمن سجل الحماقات الاستراتيجية، أسوةً بالتورط السعودي الطويل في اليمن، أو بمشروعات طموحة لم تُبصر النور بعد.
وبخاصة، إنّ مراجعة الأسباب التي دفعت الرياض إلى هذا المنعطف تكشف أنّ قدرة طهران على تفكيك هذه الحسابات، وفي مقدمتها إعادة الكيان الإسرائيلي إلى واجهة المواجهة، على الرغم من كلفة ذلك عليها، هي ما يُمكن أن يحول دون تشكّل جبهة خليجية موحدة ضدها، ذلك أنّ الرياض لا تحتمل اليوم، سياسياً ولا شعبياً، أن تقف علناً في خندق واحد مع “تل أبيب”.
أما على مستوى المشهد الداخلي العراقي، وهو ما يعنينا هنا أكثر من غيره، فإن هذه الضربة، بصراحة، لا تجامل أحداً، جاءت في توقيت يخدم – من حيث لم يكن بحسبان منفذيها – فشل مسار الحكومة العراقية في استكمال بسط سلطة الدولة على الفساد والسلاح، بقدر ما منحت، في الوقت نفسه، الحشد الشعبي المستهدف زخماً وجودياً يصعب معه التراجع من دون ثمن باهظ (وهو المطلوب).
بمعنى أدق، إنها من نوع الأحداث القابلة للاستثمار في اتجاهين متعاكسين تماماً: فمن جهة، ستمنح الحكومة ذريعة إضافية لتكرار خطاب “إن تفلت السلاح هو ما يورّط الدولة في أزمات لا طاقة لها بها”، ومن جهة أخرى، ستضع الفصائل – التي ستدافع عن الحشد الرسمي بدلاً من الحكومة – أمام تحدٍّ وجودي لا يحتمل التراجع، خشية أن يُقرأ ذلك ضعفاً يفتح الباب أمام مزيد من الاستهداف.
ولذا، فإن المرحلة المقبلة ستشهد بروز أقطاب متعددة كانت متحالفةً في الخفاء، وأصبحت على المحك، وكلها في طور مخاض لا يُعرف بعد إلى أي اتجاه سيميل:
- محور الحشد والفصائل خارج الإطار الرسمي للدولة.
- محور الحشد والإطار التنسيقي، كمؤسسة أمنية – سياسية بديلة عن القوات المسلحة.
- محور الدولة والمقاومة والقوات المسلحة، ومن ضمنها الحشد، المنخرطة أصلاً في هرم الحكم.
وما يُعزز القلق من هذا المسار، أنّ جملةً من المؤشرات السياسية توحي بأن المشروع الخارجي المطروح لا يقتصر على ملف السلاح وحده، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي العراقي برمّته بمساعدة المكون السُني، في حين سيأخذ المكون الكُردي جانب المعارضة، لأنه يرى أن الحليف الشيعي أكثر رسوخاً وأقرب مزاجاً إلى سياستهم.
ويكفي أن يرصد المراقب موجات الانسداد السياسي المتكررة، التي تكاد تفرض على القوى الفاعلة اختيار شخصيات بعينها، مُعدّةً سلفاً من خلال آلية أشبه بتدوير وظيفي محسوب، لتسنّم مواقع قرار عليا، تخدم في نهاية المطاف مشروعاً مرسوماً من خارج الحدود لا من داخلها، تُتهم إيران فيه، وهو صنيعة أميركية في غالبه.
وإذا ما أُعيد فتح ملف حصر السلاح بيد الدولة في هذا المناخ المشحون، فلن يكون أمام العراق من خيار واقعي سوى الإقرار بمؤسسة الحشد الشعبي الرسمية، بوصفها الوريث الشرعي الوحيد لسلاح الفصائل المنضوية أصلاً تحت العقيدة الأمنية للدولة، لا بديلاً عنها ولا خصماً لها.
وأحسب أن الرياض وواشنطن أخطأتا، هذه المرة أيضاً، في التوقيت والتقدير معاً. فقد جاء القصف في مناسبة دينية واجتماعية بحجم الأربعينية، واستهدف شريحةً اجتماعيةً وازنةً كالحشد الشعبي، بما يحمله ذلك من رمزية يصعب تجاوزها، وكأن صانع القرار السعودي يسعى، وهو لا يدري، إلى تكرار سيناريو اليمن الذي طالما استنزف المملكة سياسياً وعسكرياً ومالياً، من دون أن يحقق لها أهدافها المعلنة.
والمؤسف عليه حقاً، سيدي القارئ العزيز، أن هناك قوى وازنة الثقل والتأثير في المشهد العراقي، يبدو أنها اشتُريت أو حُيّدت مسبقاً عن المبادرة بأي موقف حازم، وإلا فمن ذا الذي يرتضي لبلده أن تُستباح سيادته، ولأبنائه أن يُقتّلوا بسيوف عدو خارجي، ثم يكتفي بعد ذلك بلغة الاستنكار والشجب الباهتة؟! أو يُحوّل أبناء بيته إرهابيين لخدمة الأعداء.
وهنا لا بد من استحضار حقيقة بديهية لأي دولة تريد السيادة لنفسها، أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين هما: (الحاكم الشرعي – القانوني القادر على القرار، والقوات المسلحة الجاهزة للدفاع عن حدودها وكرامة مواطنيها). وعلى هذين الأساسين، يحق لنا أن نتساءل بقلق مشروع: كيف سيكون موقع العراق ومستقبله إذا ما تحوّل الاستنكار الرسمي إلى سقف أعلى للموقف السياسي، وباتت جاهزية القوات المسلحة العراقية رهينة حسابات إضعاف سياسي داخلي وخارجي متعمد، لا رهينة حاجة الدولة الفعلية لحماية سيادتها؟
إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في رد الفعل المشروع على العدوان بعد مسرحية الاستنكار والشكوى الدولية.
ففي محصلة ما جرى ليلة الأربعاء الماضي، إنه ليس حادثاً عابراً يُطوى بعد أيام من الجدل الإعلامي، بل هو نواة فعلية لحرب أوسع بدأت من إيران، ولن تُكتب فصولها الأخيرة عند حدود العراق.
وإنّ العقل السياسي العراقي الرشيد – على هناته – مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى حماية وحدة قراره الوطني من الاستثمار السياسي الرخيص أو الانخراط الدولي “الخادم” للمشروع الصهيوأميركي، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية العراقية بجميع صنوفها، وعلى رأسها الحشد الشعبي، بوصفها ذراعاً شرعيةً للدولة لا عبئاً عليها، بعيداً عن منطق التخوين أو التمجيد الأعمى على حدّ سواء.
وأستحضر، بما يليق بالختام، للشهداء الأبرار الذين نافحوا عن حياض الأمة وكرامتها، معنى الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، عسى أن يكون فيها ما يكفي من الحكمة لمن بيده اليوم قرار العراق ومستقبله.




