رأي

مؤامرة تدمير الولايات المتحدة الأميركية

نيك إستس – counter punch:

الولايات المتحدة تتجه نحو اليمين المتطرف، وترتفع بها درجات الحرارة لمستوى لا يسمح حتى بالاحتفال بأساطيرها التأسيسية.

لا شيء يجسد انحدار المشروع الأميركي مثل المشهد الذي ساد احتفالات الذكرى 250 عاماً على تأسيسه، حين سار 400 ملثم من الفاشيين الجدد في شوارع الكابيتول في واشنطن، مرتدين قمصاناً زرقاء داكنة وهم يهتفون “استعادة أميركا!”، دون أي اعتراض من الشرطة أو مناهضي الفاشية، بينما ألغي موكب عيد الاستقلال الرسمي بسبب موجة الحر الشديدة.

المشهد مقلق لعصرنا؛ فالولايات المتحدة تتجه نحو اليمين المتطرف، وترتفع بها درجات الحرارة لمستوى لا يسمح حتى بالاحتفال بأساطيرها التأسيسية، حيث وصلت درجات الحرارة إلى مستويات وصفها علماء البيئة بأنها كانت “شبه مستحيلة” في الماضي، قبل تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري.

والآن من المسؤول عن هذه الفوضى الراهنة؟ وكما هو متوقع لا تبدي الطبقة السياسية أي اهتمام بدراسة التدهور البنيوي. ففي خطابين متتاليين نهاية الأسبوع الماضي، استنبط الرئيس ترامب كبش فداء هو خطر الشيوعية بنبرة غضب ذكرت خطابه الافتتاحي عام 2017، “المجزرة الأميركية”، حين ألقى باللوم على الحدود المفتوحة والدول الأجنبية في تمزيق الحلم الأميركي، لكنه تجنب بعناية ذكر الشركات التي نهبت الطبقة العاملة وأفسدت الأرض.

مع ذلك، تظهر ولاية ترامب الثانية تركيزاً أقل في تشديد الرقابة على الحدود، وأكثر تركيزاً على ما يسميه “العدو الداخلي”، والذي يشمل المهاجرين وكل من قد ينتقد السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً التعصب الصهيوني الإبادي الذي يحظى بتأييد الحزبين.

وقد واجه ترامب هذا “العدو” بقوة عنيفة ومميتة، مستخدماً وزارة الأمن الداخلي كأداة رئيسية للإرهاب في أماكن مثل مينيسوتا. فلقد توسع تعريف العدو ليشمل مناهضي الفاشية، الذين صنفوا كـ “إرهابيين محليين”، ما يتيح استهداف أي منظمة أو فرد يدعم أنشطة تعتبر “مناهضة للفاشية”، مثل الدفاع عن المهاجرين أو حتى المجموعات الواسعة والناشطين في “مناهضة الرأسمالية”، وكل ذلك يدفع بالبلاد نحو لحظة يصبح فيها رفض الفاشية أمراً غير قانوني.

تظهر ولاية ترامب الثانية تركيزاً أقل في تشديد الرقابة على الحدود، وأكثر تركيزاً على ما يسميه “العدو الداخلي”
هذا التصعيد الخطابي ليس وليد المصادفة، بل هو استراتيجية انتخابية مدروسة، فمع تزايد المكاسب التي يحققها تيار اليسار الانتخابي قبيل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، من المرجح أن يصعد ترامب من خطابه المعادي للشيوعية، مصوراً حتى أشد الديمقراطيين تشدداً من المؤسسة المعادية لليسار كشركاء في مؤامرة شيوعية خبيثة، وهو استهدف بالفعل التشكيلات الأكثر تنظيماً لليسار الاشتراكي المناهض للإمبريالية.

لقد كان خطاب ترامب في “مزار الديمقراطية” تحت ظل جبل رشمور، على الأرجح الأكثر سخرية، حين قام بهجوم لاذع محدداً العدو بـ”الخطر الشيوعي”، وهو يقصد “المهاجرين غير الشرعيين” و”المجرمين” و”المتطرفين” و”اللصوص” وقال إنهم “يأتون وينهبون ويسلبون أمتنا”، فكلام ترامب، وهو أحد أكبر المحتالين في العالم، ليس مجرد استعراض خطابي نمطي، بل متعمد لبناء أسطورة أساسية تبرر قيام دولة بوليسية داخلية حقيقية في الولايات المتحدة.

ولا يخلو الأمر من مفارقة في تلك الاتهامات. فالأرض التي يقف عليها الرئيس هي أرض مسروقة أصلاً، والنصب التذكاري نفسه شاهد دائم على نوع النهب والسلب الذي ينسبه إلى المحرضين اليساريين. وإذا كان المرء يتمتع بمستوى أساسي من القدرات الإدراكية، ولا يجهل التاريخ كلياً، فإن قرارات ترامب ستثير فيه الضحك وربما البكاء، حين أعلن عنها في حضرة اللصوص والرجال الذين نهبوا وسلبوا أراضي السكان الأصليين، حيث بني النصب التذكاري في الموقع لما كان يعرف لدى شعب لاكوتا باسم “طريق اللصوص”، وهو الدرب الذي شقه كاستر على نحو غير قانوني في بلاك هيلز عام 1874 بحثاً عن الذهب.

كذلك كانت المحكمة العليا قضت بأن الأرض التي يقف عليها ترامب هي أرض مسروقة، أي أنها نهبت وسلبت، ووصفت المستوطنين وعمال المناجم الذين دخلوا الأراضي المعروفة باسم “هي سابا” بالمعتدين، وقضت عام 1980 بأن الإكراه الذي دفع من أجله التجويع، والذي استخدم لتجريد لاكوتا من بلاك هيلز يعد انتهاكاً دستورياً جسيماً. والمفارقة أن السارق الوحيد الذي كان حاضرا في جبل رشمور ذلك اليوم كان الدولة نفسها التي أقامت الحفل.

كان خطاب ترامب في “مزار الديمقراطية” تحت ظل جبل رشمور على الأرجح الأكثر سخرية، حين قام بهجوم لاذع محدداً العدو بـ”الخطر الشيوعي”
إن تحذيرات ترامب بشأن “خطر شيوعي” يهدد التراث الأميركي ليست سوى خدعة وقلب للحقائق، حيث يتحول الظالمون إلى مظلومين، والغزاة يمارسون “الدفاع عن النفس” ضد الشعب نفسه الذي سُلب وقُتل. هذا الإسقاط وقلب الواقع هو أمر جوهري للهوية الأميركية التي يزعم ترامب أنها تتعرض للهجوم، وقال: “يمكنك أن تكون مخلصاً لكارل ماركس أو لأميركا، ويمكنك أن تكون شيوعياً أو وطنياً، لكن لا يمكنك الجمع بينهما”.

كل هذه المواضع زائفة، وطرحها كأنها اختبار ولاء، تجبر المرء على الاختيار بين الوقوف مع مرتكبي الإبادة الجماعية وتجار الرقيق، ومؤيديهم، أو مع أولئك الذين سعوا لإطاحة أنظمة القمع العنيفة تلك، وأعتقد أنني أعرف أي جانب نرغب جميعاً في الوقوف معه؛ فأولئك الذين يفترض أنهم ماركسيون في رأي ترامب يكشفون الأكاذيب حول تراثنا، ويخبرون أطفالنا أننا نعيش على أرض مسروقة، أو أن أبطالنا كانوا ظلاماً، كما أشار ماركس في القرن 19 بتهكم إلى أن فجر الإنتاج الرأسمالي بدأ مع “اكتشاف الذهب والفضة في الأميركتين، واستئصال واستعباد ودفن السكان الأصليين في كامل القارة.

لا شك في أنه لأمر مخيف أن تتطلب الرأسمالية الحديثة دوماً إبادة جماعية ونهباً أمر مخيف للغاية، كما يفعل ترامب بربط كلامه بأفعال توجب الانتباه. ففي ولايته الثانية، شن ترامب هجوما شاملاً على خصومه السياسيين، ولا سيما اليساريين، حيث ضمن ذلك تحديداً بما ورد في مذكرة الأمن القومي الرئاسية في العام الماضي بعنوان “مكافحة الإرهاب المحلي والعنف السياسي المنظم”، في إعادة صياغة لأهداف “مكافحة الإرهاب” التي وضعت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والتي تستهدف الخطاب السياسي المحلي، والتنظيم، والتمويل.

تحذيرات ترامب بشأن “خطر شيوعي” يهدد التراث الأميركي ليست سوى خدعة وقلب للحقائق، حيث يتحول الظالمون إلى مظلومين
لن أقول إنها أحلك فصول تاريخ الولايات المتحدة، لكن علينا أن نمعن النظر في مدى سهولة تحويل جهاز الأمن الذي أنشئ في عهد جورج بوش الابن لملاحقة “الإرهابيين” وقتلهم إلى أداة داخلية لتجريم المعارضة المحلية، وتجميد الحسابات المصرفية للمنظمات غير الربحية التقدمية، ومعاملة الناشطين المحليين المناهضين للفاشية كخلايا متمردة. ولقد نجح فعلياً في تطبيق سياسة مكافحة التمرد على نطاق واسع في غياب أي تمرد حقيقي.

في نهاية المطاف، ليست الفاشية جديدة على الولايات المتحدة، ولم تكن مضطرة تاريخياً إلى ارتداء عباءة الفاشية لممارسة أنشطتها. سواء أكان ذلك من خلال قوانين الإبادة الجماعية المتعلقة في السياسة الفيدرالية تجاه السكان الأصليين، أو الفصل العنصري في عهد جيم كرو، فقد استلهم الفاشيون الأوروبيون الكثير من أفكارهم من الأنظمة القانونية الاستعمارية والعنصرية البيضاء لنظرائهم الأميركيين عند صياغة وثائق مثل قوانين نورمبرغ.

وبغض النظر عن أزمة المناخ، لا يزال وضعنا الراهن أبعد ما يكون عن كونه أكثر العصور قمعاً أو استبداداً التي شهدتها الولايات المتحدة. ولا أقول إنه لا يمكن للوضع الحالي أن يسوء أكثر، لكن من الممكن أيضاً أن يتخذ مساراً مختلفاً، إذا كان الناس على استعداد للنضال من أجل بديل، وهذا لا يقلل من شأن الخطر الحقيقي والرهيب الذي يكتنف اللحظة الراهنة، ومن ضرورة مواجهته وإيجاد خيارات أخرى.

بصفتي متخصصاً في التاريخ، أشعر بالتواضع وأنا أقرأ قصص أجدادي من السكان الأصليين، وكيف نجوا من الإبادة الجماعية رغم كل شيء، بدءاً من أعمال التحدي اليومية وصولاً إلى حركات المقاومة المنظمة التي لا شك في أنها حالت دون إبادتهم الكاملة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى