لماذا ينبغي لانتصار الحوثيين أن يغيّر استراتيجية ترامب تجاه إيران؟

غريغ بريدي – مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية:
في ظل الضغوط الإيرانية على مضيقي باب المندب وهرمز، يتعين على إدارة ترامب خفض أسعار الوقود قبل شهر تشرين الثاني/نوفمبر.
بعيداً عن ذكرى هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة عام 2001، هيمن على عناوين الأخبار صباح الجمعة الانتصار الكبير الذي حققه الحوثيون في اليمن على الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. ففي ليلة واحدة، اجتاحت قوات الحوثيين مساحة واسعة من الأراضي على امتداد ساحل البحر الأحمر في اليمن، وسيطرت على المنطقة وصولاً إلى الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية عند مضيق باب المندب، كما استولت على جزيرة بريم الاستراتيجية الواقعة في وسط المضيق.
كان انهيار القوات الحكومية سهلاً على نحو لافت، ما أتاح للحوثيين الاستيلاء على كمية هائلة من المعدات التي قدمتها السعودية. ويبدو أيضاً أن الضربات الصاروخية الحوثية على خط أنابيب النفط السعودي “شرق،غرب” أدت، على الأقل في الوقت الراهن، إلى تعطيل هذا الشريان الحيوي الذي يتجاوز مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، كانت أسواق النفط تستوعب تقريراً نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أظهر تراجعاً حاداً في صادرات النفط السعودية حتى قبل توقف خط الأنابيب عن العمل، نتيجة تهديدات الحوثيين للملاحة السعودية في البحر الأحمر.
وفي غضون ذلك، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 11 أيلول/سبتمبر بأنّ الدائرة المقربة من مستشاري الرئيس دونالد ترامب قد طرحت عليه احتمال ألا تنجح الاستراتيجية الأميركية الحالية، التي تجمع بين الحصار البحري والضغوط الاقتصادية الشديدة، في إجبار إيران على الرضوخ قبل انتهاء ولايته الرئاسية في كانون الثاني/يناير 2029. ورغم هذه النظرة القاتمة لمسار الحرب، لم يقترح كبار مساعدي ترامب العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف معدّل يعكس هذا الواقع.
والواقع أن ترامب واصل استخدام مصطلح “الاستسلام” لوصف النتيجة التي يتوقعها من الضغوط الأميركية على إيران. ولم ترد أي تقارير تشير إلى أن ترامب كلّف مسؤولين كباراً بصياغة استراتيجية تفاوضية أكثر قابلية للنجاح، فيما يبدو أن مساعديه يعتقدون بإمكان استمرار الوضع الراهن، القائم على حرب محدودة وضغوط اقتصادية، لأي مدة تستدعيها الظروف، حتى لو انتقل هذا الملف إلى من سيخلفه في المنصب.
ورغم أن نائب الرئيس “جي دي فانس” يبدو صاحب وجهة نظر مختلفة نوعاً ما، فإنه لا يبدي رغبة في الصدام مع ترامب بشأن هذه القضية، نظراً إلى افتقاره إلى سلطة اتخاذ القرار.
ينبغي أن يدقّ هذا الوضع ناقوس الخطر في أروقة واشنطن. ففي حين بدأ سوق النفط يستفيق من حالة التراخي التي سادت خلال الصيف، مع الارتفاع الحاد في أسعار خام برنت عقب أنباء الأمس، لا يزال كثيرون يشعرون بأمان زائف، نتيجة عدم إلمامهم بالتحليل الكمي لأسواق النفط. فبعد انحسار الصدمة الأولية للحرب، سادت قناعة عامة في السوق، مطلع الصيف، بأن الأزمة مع إيران تتجه نحو حل تفاوضي، وأن الاحتياطيات الاستراتيجية والمخزونات التجارية ستكون أكثر من كافية لامتصاص الصدمة.
أما الآن، فقد بات واضحاً أنه لن يكون هناك حل سريع، وأن فقدان الإمدادات على مدى أكثر من ستة أشهر أدى إلى استنزاف كبير في كل من الاحتياطيات الاستراتيجية والمخزونات التجارية. وتبدو حالة مخزونات المنتجات البترولية أسوأ من ذلك؛ إذ تعرضت القدرة العالمية على التكرير لضربتين جيوسياسيتين كبيرتين: تمثلت الأولى في فقدان قدرات التكرير الخليجية الموجّهة إلى التصدير، بعد انقطاعها عن مسارات النقل المعتادة، فيما تمثلت الثانية في توقف ما يقرب من نصف قدرات التكرير الروسية عن العمل، جراء هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
وتعاني الأسواق من نقص في إمدادات الديزل، حيث بلغ متوسط سعره في الولايات المتحدة 6 دولارات بحلول 10 سبتمبر. ورغم أن أسعار البنزين هي الأكثر وضوحاً للمستهلكين، إلا أن الديزل يساهم في تأجيج التضخم، كما يدرك الاقتصاديون. وتُرجح كل هذه العوامل قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر الأسبوع المقبل، وذلك على الرغم من رغبة الرئيس ترامب ،التي طالما عبّر عنها، في تبني سياسة نقدية تيسيرية.
لطالما أشاد مسؤولو الإدارة الأميركية بالناقلات التي تحظى بمرافقة أميركية وتواصل عملها عبر “مسار عُمان” مروراً بمضيق هرمز. ومع ذلك، فإن معظم العاملين في القطاع الخاص يشككون في الأرقام التي تعلنها الإدارة، لا سيما وأن المحللين قادرون على تتبع الناقلات عبر صور الأقمار الصناعية حتى عند إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال فيها. وعلاوة على ذلك، فإن حركة النقل هذه تظل محدودة بسبب نقص التغطية التأمينية.
إن معظم ناقلات النفط التي تنقل الخام حالياً عبر مضيق هرمز إلى خليج عمان مملوكة لشركات النفط الوطنية الخليجية، ولذا فهي قادرة على تحمل المخاطر، بخلاف الناقلات المملوكة للقطاع الخاص التي لن تقدم على ذلك. قد يُعتبر الاعتراف بهذا الأمر بمثابة “هرطقة” داخل الإدارة الأميركية، إلا أن معظم المراقبين في القطاع الخاص لا يتوقعون ارتفاع كميات النفط الخارجة من المضيق بشكل ملحوظ عن مستوياتها المتوسطة الحالية. وتزيد المكاسب التي حققها الحوثيون في اليمن بالأمس من تفاقم الوضع، إذ أدت إلى عرقلة حركة النقل في البحر الأحمر، وتسببت ،في الوقت الراهن على الأقل، في إغلاق خط الأنابيب الذي ينقل الخام السعودي إلى المحطات هناك؛ ورغم أنه سيتم إصلاح الخط، إلا أنه يظل عرضة لضربات أخرى.
من المتوقع أن يؤدي استمرار الوضع الراهن مع إيران إلى رفع أسعار النفط حتى ينخفض الطلب بما يكفي، وهو انخفاض يتوقع معظم الاقتصاديين أن يكون مدفوعاً في الغالب بتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي. وخارج أوساط قطاع النفط، قد يبدو أن شبح وصول سعر برميل النفط الخام إلى 150 دولاراً قد تلاشى، لكن في ظل هذه الظروف المتغيرة، لم يعد الأمر كذلك.
وأخيراً، وبغض النظر عن الوضع الاقتصادي غير المستدام الذي سينجم عن استمرار الوضع الراهن لبضع سنوات أخرى، فإن ذلك سيلحق أضراراً جسيمة بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة. فباستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لا يزال لديها خط أنابيب بديل قيد التشغيل، تتكبد دول الخليج الأخرى خسائر فادحة. ورغم أن العراق نجح في تحويل مسار بعض التدفقات النفطية واستعادتها، إلا أنه سيواجه وضعاً مالياً حرجاً لا يمكن تحمله في غضون أشهر. وتمتلك قطر أصولاً، لكنها تحقق إيرادات ضئيلة للغاية من الغاز الطبيعي المسال أو النفط. كما تتضرر مصر بشدة من ارتفاع أسعار النفط والانخفاض الحاد في إيرادات قناة السويس، التي تُعد عنصراً حيوياً لميزانية الدولة؛ وهذه مجرد أمثلة قليلة. وإذا استمرت الولايات المتحدة في إبداء اللامبالاة تجاه محنة هذه الدول، مفضلةً مواصلة الضغط على إيران عبر الحصار، فإن ذلك سيضع تلك العلاقات أمام اختبار صعب للغاية.
تحتاج إدارة ترامب إلى استراتيجية جديدة، بعدما بدا أنها أدركت أن النهج الحالي لن يحقق أهدافه ضمن إطار زمني مقبول، وأنه يتسبب بأضرار جانبية كبيرة للولايات المتحدة وشركائها. ولا يمكن ترك هذا المسار مستمراً بصورة تلقائية من دون مراجعة.
لكن من بين أفراد الدائرة المقربة من ترامب، من سيكون مستعداً للمبادرة وفتح هذا النقاش معه؟




