رأي

مخاوف من «السيناريو الأسوأ»: انكماش حادّ ينتظر الاقتصاد

سلام محمد – الاخبار:

يتّجه الاقتصاد القطري إلى انكماش حاد هذا العام، بعد تضرّر منشآت الغاز وتعطّل الصادرات عبر مضيق هرمز، في أكبر صدمة يتعرّض لها قطاعه الحيوي. ورغم توقّعات بتعافٍ مع انتهاء الحرب، يبقى اتّساعها السيناريو الأسوأ على قطر والاقتصاد العالمي.

لعلّ أبرز ما يميّز الخسائر الاقتصادية التي مُنيت بها دولة قطر في خلال الحرب على إيران، ليس ثقل حجمها فقط، وإنما أيضاً قِصر الفترة الزمنية التي تحقّقت فيها. ففي الأيام الأولى للحرب، تعرّض المركز الرئيس لصناعة الغاز القطري، والمتمثّل في رأس لفان، لهجوم إيراني مباشر تسبّب بأضرار كبيرة أدّت إلى تعطّل نحو 17% من صادرات الغاز المُسال للبلاد، والتي يمكن وصفها بأنها القلب الذي يغذّي جسد الاقتصاد القطري.

وبحسب تصريحات المسؤولين القطريين، فإن خسارة الدوحة من جرّاء ذلك الهجوم الذي استهدف استثماراً لشركة نفطية أميركية، قُدّرت سنوياً بأكثر من 20 مليار دولار، هي عبارة عن قيمة الإيرادات التصديرية السنوية المفقودة، فضلاً عن الحاجة إلى فترة زمنية تراوِح ما بين 3 و5 سنوات لإعادة إصلاح الأضرار الحاصلة، واستعادة البلاد لقدراتها التصديرية السابقة. وخسارة هذا الحجم الكبير من الإيرادات، من شأنها أن تنعكس مباشرة على ميزان المدفوعات، الإيرادات الحكومية، تنفيذ الموازنة السنوية، وعلى نموّ الناتج المحلي الإجمالي.
ومع توسّع دائرة الحرب، لم تقف خسائر الدوحة عند هذا الحدّ، إذ باتت صناعة الغاز المُسال تواجه مشكلتَين أساسيتَين: الأولى، تعطّل جزء ليس بالقليل من قدراتها الإنتاجية من جرّاء الاستهداف المباشر لأكثر من مُنشأة غازية؛ علماً أنه إذا صحّت فعلاً التقديرات القطرية بالحاجة إلى ما لا يقلّ عن ثلاث سنوات لإصلاح ما تَضرّر، فهذا يعني أن هناك خسارة في الإيرادات قد تصل إلى نحو 60 مليار دولار. وأمّا المشكلة الثانية، واللاحقة لحادثة استهداف مُنشأة رأس لفان، فكانت مع توقّف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، والذي هو بمنزلة شريان الحياة لصادرات الغاز المُسال القطري، إذ تُظهِر بيانات منظّمة «أوابك» أن صادرات قطر من الغاز الطبيعي بواسطة الناقلات راوحت كمياتها خلال الفترة الزمنية الممتدّة بين عامَي 2019 و2023، ما بين 106.29 مليارات متر مكعّب و105.54 مليارات متر مكعّب. وعليه، فإن استمرار تعطُّل حركة الملاحة في المضيق من شأنه أن يسهم في زيادة قيمة الإيرادات التصديرية المفقودة، ولا سيما أن الأمر لا يتعلّق بتصدير الغاز المُسال فقط، وإنما أيضاً بتصدير منتجات بتروكيماوية أخرى أساسية.

شهدت الأسابيع الأولى من عمر الحرب توقّف جميع الرحلات الجوية من وإلى البلاد

في مواجهة هاتَين المشكلتَين، وجدت قطر نفسها، ورغم لجوئها إلى بند القوة القاهرة في تعاقداتها، تتحوّل من بائع للغاز الطبيعي إلى مشترٍ له بغية المحافظة على زبائنها وسمعتها التعاقدية. وبحسب المعلومات التي نشرتها وكالة «رويترز»، فإن شركة قطر اشترت خلال العام الحالي نحو 33 شحنة غاز من الولايات المتحدة لتعويض اضطرابات الإمدادات الناتجة من الحرب وإغلاق «هرمز»، قُدّرت قيمتها بنحو مليار دولار، وهي قيمة تعادل تقريباً ثلث صادرات البلاد الشهرية المعتادة قبل الحرب. وفي حين تمّ شراء الغاز للحفاظ على إمدادات العملاء في عدّة دول أبرزها: كوريا الجنوبية، تايوان، بنغلادش، الهند، واليابان، عُدّ ذلك من منظور الخبراء الاقتصاديين تطوّراً بالغ الأهمية؛ نظراً إلى أن جزءاً من الإيرادات التي كانت ستتحوّل إلى فائض قطري، أصبح يُستخدم في شراء غاز بديل بأسعار مرتفعة.

الترانزيت الجوي أيضاً
إلى جانب ما تَقدّم، شهدت الأسابيع الأولى من عمر الحرب توقّف جميع الرحلات الجوية من وإلى البلاد، في حين تتحدّث البيانات المتداولة عن إلغاء ما يزيد على ألفَي رحلة جوية في «مطار حمد الدولي». ونظراً إلى أن قطر سعت منذ عدّة سنوات، عبر شركة طيرانها، لتحويل مطاراتها إلى مركز عالمي للترانزيت، فقد أدّى ذلك إلى جعْل خسائرها مضاعَفة. فمن جهة، توقّفت الرحلات الجوية من وإلى البلاد، وهذا ما تسبّب بخسائر لشركة الطيران الوطنية وشركات الخدمة العاملة في المطارات وعلى مستويات القدوم السياحي؛ فبعدما قُدّر عدد السياح الذين قصدوا البلاد العام الماضي بأكثر من خمسة ملايين سائح، يبدو أكيداً أن قطر لن تكون قادرة في العالم الحالي على تحقيق رقم مماثل أو أقلّ منه. ومن جهة ثانية، كان لاختيار شركات الطيران العالمية محطّات ترانزيت جديدة بعيداً عن المنطقة الملتهبة، أثره المباشر على حجم إيرادات الترانزيت. ومع أن القطاع عاد ليشهد تحسّناً ملحوظاً إثر الإعلان عن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين واشنطن وطهران في شهر حزيران الماضي، إلا أن خرق الأولى للمذكّرة، وقيامها بشنّ ضربات متتالية على مواقع إيرانية، رفعا مجدّداً من مستوى مخاطر الطيران والسفر إلى عموم دول الخليج. وبالتالي، فإن تعافي هذا القطاع لا يزال بطيئاً، في انتظار ما ستسفر عنه الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى العودة إلى تنفيذ المذكّرة.

انكماش مؤقّت
في ضوء ما سبق، ترجّح التوقّعات الدولية حدوث انكماش – تتباين نسبته بين جهة وأخرى – في الاقتصاد القطري هذا العام. ففي أحدث رقم رسمي صادر عن «صندوق النقد الدولي»، تمّ تقدير نسبة ذلك الانكماش بنحو 8.6%، وهو ما يمثّل أعلى مستوى متوقَّع بين دول «مجلس التعاون الخليجي». أمّا البنك الدولي، فقدّر، في تقريره الصادر في نيسان/ أبريل الماضي، أن ينكمش الناتج القطري بنحو 5.7% في العام الحالي. إلّا أن تلك التوقّعات لا تعني أن الاقتصاد القطري على وشك الدخول في أزمة شديدة؛ فالمؤسّستان الدوليتان السابق ذكرهما تشيران إلى أن الانكماش، وإن مثّل صدمة قاسية، إلّا أنه سيكون مؤقتاً؛ إذ حالما تعود حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز إلى سابق عهدها، وتتمّ المباشرة بإصلاح المنشآت المتضرّرة، فإن اقتصاد قطر سيكون على موعد مع معدّل نمو كبير في ناتجه المحلّي خلال العام القادم، قدّر «صندوق النقد» نسبته بنحو 8.6%، و«البنك الدولي» بنحو 5.7%.

ومما يعزّز من احتمالات النموّ تلك، ما تتمتّع به الدوحة من إمكانات وقدرات كبيرة تتمثّل أساساً في جهازها الاستثماري الكبير، والفوائض المالية الضخمة التي كوّنتها على مدار السنوات الماضية، وعقود الغاز الطويلة الآجل الموقَّعة مع دول عدة، فضلاً عن البنية التحتية المتقدّمة التي تمتلكها، والأهمّ أسعار الغاز المرتفعة عالمياً نتيجة الحرب، والتي تعمل حالياً، ولو بشكل جزئي، لمصلحتها. ويعني ذلك أن قطر – كما السعودية والإمارات – تخسر الكمّيات، لكنها تستفيد من ارتفاع السعر.
لكن ماذا لو استمرّت الحرب أو توسّعت – وهو ما يمثّل الخيار الأسوأ للعام القادم -؟ تستبعد غالبية المؤسسات الدولية والأممية هذه الفرضية في تقاريرها الدورية، وذلك لسبب رئيس، وهو أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، أو توسيع دائرة الحرب لتشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية، لن يكون في مصلحة أيّ طرف، وستكون تبعاته على الاقتصاد العالمي كارثية. ولذا، فإن غالبية التوقّعات تُبنى على السيناريو الآخر المتمثّل في أن الولايات المتحدة ستكون مُجبَرة على وقف حربها على إيران، إمّا بسبب الانتخابات النصفية أو بسبب مخاوفها من معاودة حصد الفشل في أيّ معركة جديدة مع طهران، فضلاً عن الضغوط العالمية التي تواجهها من جرّاء المخاوف من تفاقم تبعات أيّ تصعيد جديد على الاقتصاد العالمي. وربّما ما تعرّضت له قطر من خسائر مباشرة من جرّاء ضربة واحدة تستهدف منشأة حيوية، يمثّل نموذجاً ممّا ينتظر المنطقة والعالم في ما لو استمرّت الحرب أو توسّعت.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى