رأي

لماذا هرمز؟!

د. إلهام سيف الدولة حمدان – بوابة الأهرام:
ليس لأنّه مجرّد ممرٍ مائي ضيّق بين الخليج العربي وبحر العرب، بل لأنّه نقطة ارتكاز في معادلة العالم كله؛ عقدةٌ تختصر صراع الجغرافيا مع التاريخ، والاقتصاد مع السياسة، والطموح مع الخوف.

إنّ مضيق هرمز ليس ممرًا للناقلات فحسب، بل ممرٌ للأقدار، حيث تمرّ يوميًا نسبة معتبرة من تجارة النفط العالمية، فتتشابك فوق مياهه مصالح القوى الكبرى، وتحت موجه تتكثف احتمالات الانفجار.

هنا يستوقفنا السؤال: لماذا هرمز تحديدًا يفرض نفسه على خرائط القرار الدولي؟ لأنّ من يملك القدرة على التأثير فيه، يملك مفتاحًا من مفاتيح الطاقة العالمية. فالدول المطلة عليه، وعلى رأسها إيران وسلطنة عُمان، تدرك أن هذا الممر ليس مجرد حدود طبيعية، بل أداة سياسية يمكن أن تُستخدم للردع أو للضغط. لذلك، يتحول المضيق إلى ورقة تفاوض غير معلنة في كل أزمة إقليمية، من توترات الخليج إلى الصراعات الدولية الأوسع.

نعلم تمامًا أن أهمية هرمز لا تتوقف عند النفط. فمع تحولات الاقتصاد العالمي، وارتفاع دور الغاز المسال والتجارة البحرية، أصبح المضيق شريانًا متعدد الوظائف، وإن أي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، فيرتبك الاقتصاد الدولي بأكمله. ولنا أن نتذكر كيف كانت مجرد التهديدات بإغلاقه كفيلة بإرباك الأسواق، فكيف إذا تحولت التهديدات إلى واقع؟

ببساطة يمكن أن ندرك أخطر ما في هرمز ليس ازدحامه بالسفن، بل ازدحامه بالرسائل السياسية. كل تحرك عسكري، كل مناورة بحرية، كل تصريح حاد، هو رسالة مشفّرة تُقرأ في العواصم الكبرى قبل أن تُقرأ في عواصم المنطقة، وهنا، يصبح المضيق مسرحًا مفتوحًا لتوازنات دقيقة، حيث لا أحد يريد الحرب، لكن الجميع يستعد لها.

وفي قلب هذا المشهد، نتساءل سؤالًا مستقبليًا: من يدير هرمز؟ ليس بالمعنى القانوني، بل بالمعنى الإستراتيجي. من يمتلك القدرة على ضبط إيقاعه، ومن يضمن بقاءه مفتوحًا دون أن يتحول إلى ساحة اشتباك دائم؟

الرؤية التقليدية التي تقوم على عسكرة المضيق أثبتت محدوديتها. فالقوة وحدها لا تؤمّن الاستقرار، بل قد تدفع إلى التصعيد. لذلك، فإن المدير المنتظر لهرمز -إن صح التعبير- لن يكون دولة بعينها، بل منظومة إدارة ذكية، تقوم على توازن المصالح لا على كسر الإرادات. إدارة تُدرك أن أمن المضيق مسئولية جماعية، وأن استقراره مصلحة عالمية لا تحتمل المغامرة.

هذه الرؤية المستقبلية تقتضي بناء آلية إقليمية تشاركية، تضم الدول المطلة عليه، مع ضمانات دولية، بحيث تتحول إدارة المضيق من ساحة صراع إلى نموذج تعاون، وليس ذلك ترفًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. فالعالم لم يعد يحتمل اختناقات إستراتيجية جديدة، في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح.

إذن، من زاوية أخرى يمكن النظر إلى هرمز كفرصة، لا كأزمة. فرصة لإعادة تعريف الأمن في المنطقة، بحيث لا يكون قائمًا على الردع فقط، بل على التنمية المشتركة. فالمضيق يمكن أن يتحول إلى محور لوجستي عالمي، إذا ما تم استثماره في مشاريع بنية تحتية متقدمة، تربط بين آسيا وأفريقيا، وتخلق مسارات جديدة للتجارة.

إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب شرطًا أساسيًا: الإرادة السياسية. فبدونها، سيظل هرمز رهينة التوترات، وساحة مفتوحة لكل احتمالات التصعيد. وهنا، يبرز دور القوى الإقليمية الكبرى، التي يقع على عاتقها الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة، ومن حسابات النفوذ إلى حسابات الاستقرار.

لماذا هرمز؟ لم يصبح هو مرتكز التساؤل، بل ماذا نريد من هرمز؟ هل نريده نقطة اشتعال دائمة، أم منصة توازن واستقرار؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل المضيق، بل مستقبل المنطقة بأسرها.

سيظل هرمز اختبارًا للوعي السياسي قبل أن يكون اختبارًا للقوة. فمن يقرأ الجغرافيا بعين المستقبل، سيدرك أن السيطرة الحقيقية لا تكون بإغلاق الممرات، بل بضمان انسيابها. وأن النفوذ المستدام لا يُبنى على التهديد، بل على القدرة على خلق توازن يحمي الجميع.

مجمل القول سيتحول هرمز من عنق زجاجة إلى جسر، ومن بؤرة توتر إلى مساحة أمل، إذا أحسنّا قراءة دروسه، وامتلكنا شجاعة إعادة صياغة قواعد اللعبة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى