افتتاحية اليوم: الشهادة الرسمية… والحرب

مع تصاعد الحرب الإسرائيلية واتساع رقعة المخاطر الأمنية، يعود ملف الشهادة الرسمية إلى واجهة النقاش الحكومي، وسط تزايد الحديث عن احتمال اتجاه مجلس الوزراء إلى إلغائها هذا العام، إذا استمرت الأوضاع الميدانية على حالها أو ازدادت تعقيداً.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بالتحضيرات اللوجستية للامتحانات فحسب، بل باتت تتصل مباشرةً بأمن الطلاب والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي. إذ إن الوصول إلى مراكز الامتحانات أصبح مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر في العديد من المناطق، ولا سيما في الجنوب والبقاع الغربي، حيث تتعرض الطرقات والمناطق السكنية لاستهدافات متكررة تفرض واقعاً استثنائياً لا يمكن تجاهله.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز معضلة أساسية تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، فبينما يتمكن بعضهم من متابعة دراستهم بصورة شبه طبيعية في مناطق أكثر استقراراً، يعيش آخرون ظروفاً مختلفة تماماً، بين النزوح والانقطاع عن الدراسة والخوف الدائم من التطورات الأمنية.
من هنا، يصبح إجراء امتحانات موحدة على مستوى الوطن أمراً يثير الكثير من التساؤلات حول مدى العدالة في تقييم الطلاب وفق معايير واحدة، رغم اختلاف الظروف التي مروا بها خلال العام الدراسي.
ولا يقتصر الأمر على الطلاب وحدهم، إذ إن الكادر التعليمي بدوره يواجه تحديات كبيرة، فالأساتذة الجامعيون والمعلمون كانوا من بين الفئات التي تأثرت بالحرب، سواء من خلال الاستهداف المباشر أو نتيجة تعطل المؤسسات التعليمية وصعوبة التنقل. وهذا الواقع ينعكس، بطبيعة الحال، على العملية التعليمية برمتها، ويجعل تنظيم امتحانات رسمية شاملة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ومع أن الشهادة الرسمية تمثل محطة تربوية ووطنية مهمة، فإن الأولوية في الظروف الراهنة تبدو متجهة نحو حماية الأرواح وتجنب تعريض آلاف الطلاب لمخاطر إضافية. لذلك، قد يجد مجلس الوزراء نفسه أمام خيار استثنائي تفرضه الضرورات الأمنية، يتمثل في اعتماد آليات بديلة للترفيع أو منح الإفادات استناداً إلى نتائج العام الدراسي، على غرار ما حصل في محطات مماثلة خلال سنوات سابقة.
انطلاقاً من هنا، تبدو الشهادة الرسمية هذا العام وكأنها تقف على خط النار مباشرةً. وبين الحرص على المحافظة على المعايير التربوية وبين مقتضيات السلامة العامة، تتقدم الاعتبارات الإنسانية والأمنية على ما عداها. وفي بلد مثل لبنان يعيش تحت وطأة الحرب، قد تصبح حماية الطالب أهم من أي امتحان، وقد تتحول الشهادة الرسمية نفسها إلى إحدى ضحايا المواجهة المفتوحة، بانتظار أن يعود الاستقرار ليعيد إلى المدارس والجامعات دورها الطبيعي بعيداً من هدير الطائرات وأصوات القصف.




