لماذا قد تكون بكين وحدها القادرة على إنهاء الحرب مع إيران؟

تريتا بارسي – Antiwar:
لعبت الصين دوراً حاسماً في إتمام عملية تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، والآن يعلن رئيسها عن استعداده للمساعدة في إنهاء الحرب في إيران.
لقد دأبت على التحذير من احتمالية كبيرة لاندلاع جولة ثالثة من الحرب؛ وهي جولة ستكون -على الأرجح- أكثر ضراوة بكثير من الجولتين السابقتين. ونظراً لقراءة ترامب الخاطئة لموازين القوى الراهنة، فإن الورقة الدبلوماسية الرابحة الوحيدة التي قد تنتشلنا من هذه الكارثة المحدقة هي قرار بكين بالتدخل وفرض تسوية.
وأعلن الرئيس شي جين بينغ عن استعداد الصين لاستخدام ثقلها الدبلوماسي للمساعدة في إنهاء الحرب. إذ قال شي -خلال اجتماع مجموعة “بريكس” في نيودلهي- إنّ “الصين مستعدة للعمل مع الدول الأعضاء في مجموعة بريكس للقيام بدور في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج”.
لطالما تجنبت الصين الانخراط في صراعات الدول الأخرى، بما في ذلك استخدام ثقلها الدبلوماسي لحلها، حتى في الحالات التي قد تبرر فيها مصالحها الخاصة المتعلقة بالاستقرار القيام بدور الوسيط. فبكين تسعى لتجنب أمرين: الحرج الناجم عن فشل أي مبادرة دبلوماسية، ومخاطر تحمّل مسؤولية صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل بشكل غير مقصود.
غير أنّ بكين قد تشعر الآن بأن مسار هذه الحرب يتجه نحو منحىً لم يعد من الممكن فيه احتواء التبعات والتكاليف. ففي الجولات السابقة، أحجم دونالد ترامب عن تنفيذ تهديداته بضرب البنية التحتية الحيوية وقطاع النفط في إيران، لعلمه بأن طهران سترد باستهداف منشآت مماثلة في “إسرائيل” ودول مجلس التعاون الخليجي. ولو حدث ذلك، لكانت النتيجة أزمة حقيقية في إنتاج الطاقة، وليس مجرد مشكلة في سلاسل الإمداد.
ومن شأن سيناريو كهذا أن يجعل من الصعب للغاية، وربما المستحيل، على الصين الحفاظ على أسعار النفط دون مستوى 100 دولار للبرميل، وبالتالي المساعدة في تجنب ركود اقتصادي عالمي. ففي نهاية المطاف، كان قرار الصين بخفض الطلب على النفط بشكل حاد سبباً رئيسياً في عدم ارتفاع الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل خلال الجولتين السابقتين من الحرب.
ورغم هذه التحديات، نجحت الصين إلى حد كبير في حماية نفسها من صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب، وفي الوقت ذاته حالت دون وقوع أزمة أعمق بكثير لبقية دول العالم.
لكن في الجولة الثالثة، تشير مؤشرات كثيرة إلى أن ترامب سيصعّد الحرب بشكل كبير، مما سيضع الصين في موقف مكشوف قد يدفعها لتغيير حساباتها القائمة على موازنة التكلفة والعائد، لترجح كفة التدخل الدبلوماسي.
وكما أوضحتُ في برنامج غلين ديسن، فإن الصين قادرة بالفعل على إحداث فارق حقيقي. يستحق الوسطاء الحاليون – وفي مقدمتهم عُمان وقطر وباكستان – تقديراً كبيراً لما أظهروه من براعة وإبداع ومثابرة؛ فعمليات الوساطة غالباً ما تنطوي على مخاطر، ونادراً ما تحظى بالتقدير أو الشكر. ويكفي النظر إلى كيفية تعامل واشنطن مع قطر وعُمان، رغم المساهمات الكبيرة التي قدمتها وساطتهما للأمن القومي الأمريكي.
ومع ذلك، ورغم ما يتمتع به هؤلاء الوسطاء من حنكة دبلوماسية وقدرة سياسية مذهلة على التحمل، لا يمتلك أي منهم نفوذاً حقيقياً ومؤثراً على طرفي الصراع: الولايات المتحدة وإيران.
أما الصين، فتمتلك هذا النفوذ. وكان هذا النفوذ تحديداً هو العامل الذي مكّن بكين من إتمام اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران. صحيح أن العراق وعُمان قد بذلا جهوداً مضنية في الوساطة، إلا أن عمق انعدام الثقة بين طهران والرياض تطلب في نهاية المطاف قوة تتمتع بنفوذ كافٍ لدى الطرفين لإلزامهما بتعهداتهما؛ وهذا هو العنصر الجوهري الذي قدمته الصين.
لقد أدركت كل من طهران والرياض أنه لا يمكن لأي منهما انتهاك اتفاق تضمنه الصين بسهولة دون تعريض علاقاتها مع بكين للخطر. ونظراً للأهمية البالغة للصين بالنسبة للطرفين -مما يجعل المخاطرة بحدوث قطيعة معها أمراً غير وارد- فقد كان دور بكين كضامن أمراً حاسماً، ليس فقط للتوصل إلى الاتفاق، بل -وهو الأهم- لضمان استمراريته.
وبطبيعة الحال، تختلف علاقة الصين بالولايات المتحدة اختلافاً جذرياً؛ إذ لا تنظر كل من إيران والسعودية إلى الصين باعتبارها منافساً أو نداً مكافئاً، في حين أن واشنطن تنظر إليها كذلك.
ومع ذلك، قد يثبت أن نفوذ الصين لدى الطرفين هو العنصر المفقود الذي حال دون التوصل إلى تسوية دائمة حتى الآن. ورغم أن الوسطاء الحاليين قد ينجحون في التوسط لإبرام مذكرة تفاهم أخرى، إلا أنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنها ستكون أكثر ديمومة أو صموداً من سابقتها.




