رأي

لماذا تواصل السياسة الأميركية الفشل من العراق إلى إيران؟

Owen Kirby – Modern diplomecy:

بعد 23 عاما من “أجندة الحرية” التي أطلقها الرئيس جورج بوش الابن، يتساءل مسؤول سابق في وزارة الخارجية في عهد إدارته، عما إذا كان التدخل الأميركي في “الشرق الأوسط” قد جعل المنطقة أسوأ.

بالنسبة إلى العديد من المراقبين الغربيين، يرون “الشرق الأوسط” أشبه بفيروس كوفيد طويل الأمد، حيث يعتقد المصاب أحياناً أنه تجاوز أسوأ حالات المرض، ثم يعود باليوم التالي إلى اشتداد الصداع وتشويش الدماغ وضيق التنفس وقلة النوم.

في علم النفس، قد يوصف هذا المرض بأنه “ديجا فو” أي توهم الشخص بأن ما يمر به حالياً كان تجارب سابقة باستمرار، بينما لا يمكن تصور حال أولئك الذين يعيشون في أكثر المناطق تأثراً.

السؤال الملح، في حين تتساقط الصواريخ عبر منطقة الخليج، هو أي فصل من عذاب المنطقة الطويل يعاد سرده، وما هو التالي؟ في عام 2016، في تعليق على سياسة الولايات المتحدة تجاه “الشرق الأوسط”، قال المرشح الرئاسي آنذاك دونالد ترامب: “كنا سنكون أفضل حالاً لو لم ننظر إلى الشرق الأوسط خلال العقد والنصف العقد الماضي”.

وبالنظر إلى حالة المنطقة بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وإلى انتشار تنظيم “داعش” في سوريا والعراق في عام 2016، فمن الذي كان ليجادل ترامب حينها؟ مع العلم أنه عمل في وزارة الخارجية في عهد إدارة جورج دبليو بوش منذ عام 2004، وشاهد كيف فتح سقوط نظام صدام حسين باباً واسعاً للمشكلات التي ما تزال تداعياتها تتردد حتى اليوم.

ومن المفارقات أن بوش نفسه كان قد خاض حملته الانتخابية برسالة مماثلة لتلك التي تبناها ترامب من بعده، ووعد ألا يخوض الحروب التدخلية في حال وصوله إلى البيت الأبيض.

وكل ذلك، بالطبع، كان قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001. وفي الأسابيع والأشهر التي تلت، بحثاً عن إجابة لسؤال “لماذا نحن؟”، كان للرئيس بوش لحظة وعي شخصية، من نوع ما عن “60 عاماً من تبرير الدول الغربية واستيعابها لنقص الحرية في الشرق الأوسط، ولم تفعل شيئاً لجعل الولايات المتحدة آمنة، لأنه على المدى الطويل لا يمكن شراء الاستقرار على حساب الحرية. وما دام الشرق الأوسط مكاناً لا تزدهر فيه الحرية، فسيظل مكاناً للركود والاستياء والعنف الجاهز للتصدير”.

من المفارقات أن بوش نفسه كان قد خاض حملته الانتخابية برسالة مماثلة لتلك التي تبناها ترامب من بعده، ووعد ألا يخوض الحروب التدخلية في حال وصوله إلى البيت الأبيض
لم يكن بوش مخطئاً. ففي 11 أيلول/سبتمبر، عادت التوترات الكامنة والإخفاقات في السياسة الأميركية تجاه منطقة “الشرق الأوسط” منذ الحرب العالمية الثانية لتظهر في الداخل الأميركي، بينما لم تكن هناك إنذارات مبكرة سابقة للإقحام المتجدد، أو أن التردد الأميركي بشأن “غياب الحرية” في المنطقة لم يكن القضية الوحيدة، بدءاً من الادعاءات بالتورط في انقلاب عام 1949 الذي أطاح أول رئيس وزراء سوري منتخب ديمقراطياً بعد الاستقلال، إلى عملية “أجاكس” عام 1953 التي أعادت الشاه إلى السلطة في إيران، وأطاحت أيضاً أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في ذلك البلد، حيث رسخت الولايات المتحدة سجلاً قوياً من العداء تجاه أشكال الحكم الشعبية في المنطقة، في حين أن مساهمتها في استقرار المنطقة، أو غيابه منذ ذلك الوقت، فهي تستحق النقاش.

بالنسبة إلى بوش، وعلى الرغم من تردده السابق بشأن التعقيدات الأجنبية، فإن المخاوف المشروعة من أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر قد لا تكون حادثة استثنائية تآزرت لإجباره على اتخاذ قرارات، في مقدمتها إطلاق “أجندة الحرية” في عام 2003، أعقبتها الحرب العالمية على الإرهاب للقضاء عليه، وظهر أن نصف قرن من سياسة تدليل الديكتاتوريين والسلطويين لتأمين مصالح الأمن القومي الأميركي، أو هكذا قيل للأميركيين في ذلك الوقت، بينما الآن ستحتضن أميركا، وتدعم المصلحين ومؤيدي الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة، وتصحح أخطاء نصف القرن الماضي، وتتيح “تحرر” السكان العرب في هذه العملية.

لقد كانت الحجة، كما صاغها المعارِض الروسي السابق ناتان شارانسكي في كتابه المؤثر “قضية من أجل الديمقراطية”، هي أن “الديمقراطيات في الأساس سلمية، وقادة الديمقراطيات يعتبرون الحرب الخيار الأخير الممكن، في حين أن الديكتاتوريات عدوانية”. وما كان مطلوباً إذاً لمنع تكرار هجوم مثل 11 أيلول/سبتمبر هو مزيد من الديمقراطية في “الشرق الأوسط”، وعدد أقل من الديكتاتوريين وفق المنطق السائد في البيت الأبيض في عهد بوش.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الحماس الأولي بين العديد من الناشطين العرب والنفقات الأميركية الكبيرة لدعم رؤية الرئيس الطموحة، ولكن، بعد 23 عاماً، لا تزال الطبيعة السياسية لـ”الشرق الأوسط” كما وجدها بوش.

قد يجادل البعض بأن المنطقة من نواحٍ كثيرة، أسوأ بكثير حالياً، بغض النظر عن النوايا الأميركية. قد يكون الرجل الجامح في ليبيا، معمر القذافي، قد رحل، لكن وحدة أراضي البلاد أيضاً اختفت. قد تكون سلالة الأسد في سوريا قد انهارت، لكنها استبدلت فقط بخفة بتنظيم “القاعدة”. والقائمة تطول، فهناك كارثة إنسانية في اليمن، وأزمة في لبنان، وعودة استبدادية في تونس.

ما الذي حدث خطأ؟ أو ما الذي سار على ما يرام؟ قامت الولايات المتحدة بأكبر استثماراتها آنذاك في العراق وأفغانستان، وكانت التكاليف لا تحصى، اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، بينما الفوائد ضئيلة، والعواقب من المرجح أن تطال أجيالاً، وخصوصاً أنه يقدر أن العبء الاقتصادي لهذين التدخلين وحدهما كلف دافعي الضرائب الأميركيين من 4 إلى 6 تريليون دولار حتى الآن، وهو إجمالي يستمر في الارتفاع مع تراكم تكاليف رعاية المحاربين القدامى والنفقات ذات الصلة على المدى الطويل.

قامت الولايات المتحدة بأكبر استثماراتها آنذاك في العراق وأفغانستان، وكانت التكاليف لا تحصى، اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، بينما الفوائد ضئيلة
كذلك، لم تكن خسائر الأرواح عند الأطراف جميعهم أقل أهمية. وبينما يشاهد المرء الأحداث التي تجري حالياً في مضيق هرمز، لا بد من أن آلهة العواقب غير المقصودة تهز رؤوسها من فقدان الذاكرة الوطني الذي أبقى أجيالاً من صانعي القرار الأميركيين تحت سيطرة “الشرق الأوسط” المليئة بالتضحيات والنكسات منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، ونسيان ما حدث سابقاً.

يجدر التأمل فيما إذا كانت معاناة المنطقة ومواطنيها، ناهيك بالمستهلكين الغربيين، كانت ستُخدم على نحو أفضل لو استمرت حالة الأمر الواقع السائدة من السلطوية التي واجهها الرئيس بوش خلال ولايته، من دون “الخير” الأميركي سيئ التصور ورديء التنفيذ، والتدخلات المسلحة التي تلته.

لا شك في أن الأمر يستحق على الأقل نقاشاً، لكن هناك حقيقة واحدة مؤكدة هي أن الدراما التي تتجسد اليوم في منطقة الخليج ليست مرشحة لتحسين الأوضاع، فقد شاهدنا هذا الفيلم عدة مرات من قبل، ولم ينته قط على نحو جيد، ولا على نحو مختلف.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى