لماذا اختارت واشنطن الإمارات؟

إسماعيل المنصوري – العرب:
المشروع الإماراتي يراهن على أن المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية والابتكار يمكن أن تصبح مصادر نفوذ لا تقل تأثيرًا عن الموارد الطبيعية.
عندما كان امتلاك الأرض هو مصدر القوة، قامت الإمبراطوريات الزراعية. وعندما أصبحت البحار هي مصدر الثروة، صعدت الإمبراطوريات البحرية. ثم جاءت الثورة الصناعية، فتحول الفحم والحديد إلى أساس الهيمنة الدولية. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح النفط هو الوقود الذي يدير الاقتصاد العالمي، فتحولت منطقة الخليج إلى إحدى أهم مناطق العالم جيوسياسيًا.
اليوم، يبدو أن العالم يقف أمام تحول تاريخي جديد، ليس لأن النفط فقد قيمته، وإنما لأن موردًا آخر بدأ يزاحمه على قيادة النظام الدولي، وهو القدرة الحاسوبية. وإذا كان النفط هو الوقود الذي حرك الاقتصاد العالمي طوال القرن العشرين، فإن القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي قد تصبح الوقود الذي سيحرك الاقتصاد العالمي خلال القرن الحادي والعشرين.
لهذا السبب، فإن القرار الأميركي بتخفيف القيود على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الإمارات لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تعديل في لوائح التصدير، بل باعتباره مؤشّرًا على أن واشنطن بدأت تعيد رسم خريطة البنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا خففت الولايات المتحدة هذه القيود؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا الإمارات؟
قرار واشنطن بتخفيف القيود على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي للإمارات يعكس إدراكًا بأن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة بالنفط وحده
في العلاقات الدولية، لا تمنح القوى الكبرى أصولها الإستراتيجية على أساس المجاملة أو الصداقة، وإنما وفق حسابات دقيقة تتعلق بالثقة، والقدرة المؤسسية، وإمكانات تحويل هذه الأصول إلى نفوذ مستدام. ولذلك فإن اختيار الإمارات لا يعكس فقط مستوى العلاقات الثنائية، بل يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن هذه الدولة تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على إدارة أحد أهم موارد القوة في القرن الحادي والعشرين. فالقدرة الحاسوبية ليست مجرد شرائح إلكترونية تُشترى وتُباع، بل منظومة متكاملة تبدأ بالطاقة، ولا تنتهي بالبنية التشريعية، مرورًا بالكابلات البحرية، وشبكات الاتصالات، والأمن السيبراني، والاستقرار السياسي، ورأس المال، والكوادر البشرية، والقدرة على تنفيذ المشاريع العملاقة بسرعة وكفاءة. ومن دون هذه المنظومة، تبقى الشرائح مجرد أجهزة متقدمة، لكنها لا تتحول إلى مركز عالمي للحوسبة.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الإماراتية. فمنذ قيام الاتحاد، لم يكن المشروع الإماراتي مشروع إدارة موارد، بل مشروع بناء بنية تحتية للمستقبل. لم تُبنَ الموانئ لتخدم التجارة المحلية فقط، وإنما لتصبح عقدًا رئيسية في التجارة العالمية. ولم تُبنَ المطارات لخدمة حركة السفر الداخلية، وإنما لتصبح مراكز تربط الشرق بالغرب. ولم تُؤسس المناطق الاقتصادية الحرة لجذب الاستثمار التقليدي فحسب، بل لبناء اقتصاد عالمي يتخذ من الإمارات نقطة ارتكاز. وهذا ما يجعل مشروع الذكاء الاصطناعي امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ قبل عقود، وليس تحولًا مفاجئًا فرضته التكنولوجيا. لقد كانت الإمارات، في كل مرحلة، تستثمر في البنية التحتية للمرحلة التالية من الاقتصاد العالمي. وهنا يكمن الفارق بين الدول التي تستجيب للمستقبل، والدول التي تبني نفسها على افتراض أن المستقبل سيصل إليها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن أن الإمارات قد تصبح “سويسرا الاقتصاد الرقمي” لا يعكس الصورة كاملة. فسويسرا بنت مكانتها على الحياد والقطاع المالي وإدارة الثروات. أما الإمارات فتتجه نحو نموذج مختلف، فهي لا تسعى إلى أن تكون خزنة أموال العالم، بل إلى أن تصبح منصة تشغيله. إنها لا تريد أن تدير الأموال فقط، بل أن تدير البنية التحتية التي سيعمل فوقها الاقتصاد الرقمي العالمي. وربما يكون الوصف الأدق هو أن الإمارات تتحول تدريجيًا إلى العقل الحاسوبي للاقتصاد العالمي.
وهذا يقود إلى تحول آخر أكثر عمقًا في الجغرافيا السياسية. فإذا كانت الموانئ هي التي منحت الدول البحرية نفوذها في القرون الماضية، فإن مراكز البيانات قد تصبح موانئ القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت خطوط الملاحة البحرية هي شرايين التجارة العالمية، فإن كابلات البيانات والقدرة الحاسوبية قد تصبح شرايين الاقتصاد الرقمي العالمي. ومن يسيطر على هذه الشرايين، لن يمتلك قطاعًا اقتصاديًا جديدًا فحسب، بل سيمتلك أحد أهم مفاتيح القوة الدولية. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل يمكن لهذا التحول أن يغير طبيعة الشرق الأوسط نفسه؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تستحق التأمل. فالشرق الأوسط، طوال العقود الماضية، بُنيت توازناته على النفط، وعلى الصراعات الجيوسياسية، وعلى المشاريع الأيديولوجية، وعلى سباقات النفوذ العسكري. أما الاقتصاد الرقمي فيعمل بمنطق مختلف تمامًا. فمراكز البيانات لا تزدهر في بيئات الاضطراب، وشركات الذكاء الاصطناعي لا تستثمر مئات المليارات في مناطق تتكرر فيها الحروب، وسلاسل الاقتصاد الرقمي تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج إلى الشعارات.
اختيار الإمارات يرتبط بقدرتها المؤسسية على تحويل التكنولوجيا إلى نفوذ مستدام فهي لا تسعى لأن تكون خزنة أموال العالم بل أن تصبح العقل الحاسوبي للاقتصاد العالمي
وهنا قد تظهر معادلة جديدة في المنطقة. فكلما أصبحت الإمارات عقدة رئيسية في الاقتصاد الرقمي العالمي، ارتفعت كلفة أي اضطراب يصيبها، ليس على الإمارات وحدها، بل على الشركات العالمية، والمؤسسات المالية، ومراكز البحث، والدول التي ستعتمد على بنيتها التحتية الرقمية. وهذا يعني أن الاستقرار قد يتحول من قيمة سياسية إلى مصلحة اقتصادية عالمية. لقد قامت التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أن تشابك المصالح الاقتصادية يجعل الحرب أكثر كلفة. واليوم، قد يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج الفكرة نفسها في الشرق الأوسط، ولكن بأدوات مختلفة. ليس لأنه سينهي الخلافات السياسية، بل لأنه قد يرفع كلفة الصراع ويزيد من العائد الإستراتيجي للاستقرار.
وهذا لا يعني أن الطريق سيكون سهلاً. فكل انتقال في مصادر القوة يولد منافسة. وكل مشروع يعيد توزيع النفوذ يثير محاولات للموازنة. وستواجه الإمارات تحديات تتعلق بالمنافسة الدولية، وأمن البيانات، واستقطاب الكفاءات، وإدارة التوازن بين القوى الكبرى، والحفاظ على تفوقها المؤسسي. لكن التحدي الأهم لن يكون تقنيًا، بل فكريًا. فالإمارات لا تقدم مشروعًا جديدًا في التكنولوجيا فقط، بل تقدم تعريفًا جديدًا للقوة في الشرق الأوسط. لقد اعتادت المنطقة أن تربط النفوذ بالنفط، والجيوش، والأيديولوجيات، والجغرافيا. أما المشروع الإماراتي فيراهن على أن المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية والابتكار يمكن أن تصبح مصادر نفوذ لا تقل تأثيرًا عن الموارد الطبيعية.
وهنا نفهم لماذا كان السؤال: لماذا الإمارات؟ فالجواب لا يكمن في عدد السكان، ولا في المساحة، ولا حتى في حجم الثروة وحدها. الجواب يكمن في أن الولايات المتحدة لا تبحث عن دولة تشتري التكنولوجيا، بل عن دولة تستطيع أن تحول التكنولوجيا إلى بنية تحتية عالمية، وأن تجعل العالم يعتمد عليها في تشغيل اقتصاده الرقمي.
وربما بعد سنوات، لن يتذكر المؤرخون هذا القرار بوصفه تعديلاً في لوائح تصدير أشباه الموصلات، بل بوصفه لحظة رمزية أعلنت أن مركز الثقل العالمي بدأ ينتقل تدريجيًا من جغرافيا النفط إلى جغرافيا البيانات، ومن اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الحوسبة. وكما منح النفط الخليج مكانته في القرن العشرين، قد تمنح القدرة الحاسوبية الإمارات مكانة جديدة في القرن الحادي والعشرين.
وعندها، لن تكون الإمارات مجرد دولة نجحت في استشراف المستقبل، بل دولة ساهمت في إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته.




