
حسين زلغوط – خاص: “رأي سياسي”:

تُضبط الساعة اللبنانية اليوم على إيقاع واشنطن، حيث يتجدد اللقاء بين السفيرة اللبنانية في العاصمة الأميركية والسفير الإسرائيلي هناك، في محطة ثانية تُقرأ على أنها امتداد لمحاولة تثبيت هدنة هشة أكثر منها انطلاقة لمسار تفاوضي متكامل.
وبينما يقترب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الأحد المقبل، يتزايد القلق في الداخل اللبناني من احتمال الانزلاق مجددًا إلى التصعيد، في حال تعثرت الجهود أو اصطدمت بسقف الشروط المتبادلة.
هذا اللقاء لا يأتي في سياق تفاوض تقليدي، بل في إطار إدارة أزمة مفتوحة على احتمالات متعددة. فلبنان، المثقل بانقساماته الداخلية وتعقيداته السياسية، يدخل هذه المرحلة بقدرة محدودة على فرض شروطه، فيما تبدو إسرائيل أكثر ميلًا لاستخدام عامل الوقت كأداة ضغط، سواء عبر الميدان أو عبر الطاولة الدبلوماسية.
من هنا، يتحول التمديد المحتمل للهدنة إلى هدف بحد ذاته بدل أن يكون وسيلة للوصول إلى تسوية أوسع. وفي المقابل، تحاول الدبلوماسية اللبنانية الاستفادة من الرعاية الأميركية لهذه اللقاءات لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة ومنع الانفجار، غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع أن واشنطن، رغم دورها الوسيط، تنظر إلى الملف من زاوية أوسع تتصل بتوازنات المنطقة، وليس فقط بالوضع اللبناني، وهذا ما يضع لبنان أمام تحدي المواءمة بين متطلبات التهدئة والضغوط الإقليمية والدولية.
إن الحديث عن تمديد الهدنة يشي بأن الطرفين لم يصلا بعد إلى أرضية مشتركة تسمح بانتقال نوعي نحو اتفاق أكثر ثباتًا. فالملفات الخلافية الأساسية لا تزال عالقة، بدءًا من طبيعة الانتشار العسكري في الجنوب، مرورًا بقواعد الاشتباك، وصولًا إلى مسألة الضمانات الدولية. وفي ظل هذا التعقيد، يصبح التمديد خيارًا اضطراريًا لتفادي الانفجار، لا خطوة محسوبة ضمن مسار حل شامل.
يراقب اللبنانيون هذه التطورات بقلق مضاعف، فالمناطق التي عانت من القصف والدمار لا تزال في حالة خوف وترقب، وأي عودة للتصعيد ستفاقم من معاناة السكان وتؤخر أي إمكانية للعودة إلى الحياة الطبيعية. كما أن استمرار الضبابية السياسية ينعكس سلبًا على ثقة الداخل والخارج بقدرة الدولة على إدارة الأزمة.
في الوقت نفسه، يطرح هذا المسار أسئلة جدية حول موقع لبنان في هذه المفاوضات: هل هو شريك فعلي قادر على التأثير، أم مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى؟ الإجابة تبدو حتى الآن مائلة نحو الاحتمال الثاني، في ظل غياب رؤية وطنية موحدة تُترجم إلى موقف تفاوضي متماسك.
ومع اقتراب الاستحقاق الزمني لانتهاء الهدنة، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه جولة واشنطن الثانية اليوم. فإذا نجحت في تأمين تمديد جديد، فإنها تكون قد اشترت وقتًا إضافيًا، لكنه وقت محفوف بالمخاطر، لأن التأجيل لا يلغي أسباب التوتر. أما إذا فشلت، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مرحلة أكثر سخونة، حيث تتراجع الحسابات السياسية لصالح منطق الميدان.
حيال هذا الواقع، يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق: بين هدنة قابلة للتمديد لكنها غير مستقرة، وتصعيد قد يعيد خلط الأوراق بالكامل. وبين هذين الخيارين، تبقى الحاجة ملحة إلى مقاربة لبنانية أكثر تماسكًا، توازن بين الواقعية السياسية وحماية المصالح الوطنية، في لحظة تبدو فيها كل الاحتمالات مفتوحة.




