
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

عاد الحديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة خمسة وأربعين يوماً بين لبنان وإسرائيل، بعد تسريبات خرجت من واشنطن وأوحت بأن مسار التفاوض حقق اختراقاً يمكن أن يخفف منسوب النار المشتعلة على الجبهة الجنوبية.
غير أن الساعات التي تلت منتصف ليل أمس بددت سريعاً موجة التفاؤل، بعدما تبيّن أن ما يجري ليس اتفاقاً فعلياً، بقدر ما هو إعادة تدوير لصيغ سابقة لم تنجح في تثبيت تهدئة دائمة، أو حتى مؤقتة بالمعنى السياسي والعسكري الكامل.
فحتى اللحظة، لم يصدر أي تبنٍّ رسمي واضح للاتفاق المزعوم، لا من الجانب اللبناني ولا من الجانب الإسرائيلي، فيما بدا المشهد الميداني كأنه ينفي بنفسه وجود أي تفاهم مكتمل الأركان. فالغارات الإسرائيلية استمرت على مناطق واسعة في الجنوب، وعمليات الاستهداف لم تتوقف، في وقت بقيت فيه حالة التوتر العسكري على حالها، وإن اتخذت شكلاً أقل صخباً من المراحل السابقة. وحده الغياب النسبي للطائرات المسيّرة عن أجواء بيروت والضاحية الجنوبية أعطى انطباعاً بأن ثمة شيئاً ما يجري في الكواليس، أو أن هناك قراراً مؤقتاً بخفض مستوى الاحتكاك المباشر فوق العاصمة.
لكن هذا التراجع المحدود في وتيرة التصعيد لا يكفي لإقناع اللبنانيين بأن المنطقة دخلت فعلاً في مرحلة تهدئة، فالخبرة المتراكمة منذ اندلاع المواجهات تؤكد أن إسرائيل تعتمد سياسة مزدوجة: تفاوض في السياسة، وضغط بالنار في الميدان، وهي تسعى دائماً إلى استخدام العمليات العسكرية كورقة لتحسين شروطها التفاوضية، لا كبديل عن المفاوضات. ولذلك فإن أي حديث عن هدنة لا يترافق مع وقف واضح وشامل للغارات، يبقى أقرب إلى “تنظيم الاشتباك” منه إلى وقف فعلي لإطلاق النار.
في المقابل، يبدو لبنان الرسمي في موقع الانتظار الحذر، فالدولة اللبنانية تدرك أن أي إعلان متسرع عن اتفاق غير مضمون قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني إذا انهار خلال ساعات. كما أن الواقع الداخلي اللبناني، بكل تعقيداته، يجعل من الصعب تقديم موقف موحد وحاسم تجاه أي تفاهم لا تتضح كامل بنوده وضماناته. لذلك يسود نوع من الصمت الرسمي الممزوج بالترقب، بينما تتابع القوى السياسية والميدانية ما يجري عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية المفتوحة مع واشنطن والعواصم المعنية.
أما إسرائيل، فتبدو معنية بإبقاء الوضع ضمن مستوى الضغط المضبوط، فهي لا تريد حرباً واسعة في لبنان قد تستنزفها عسكرياً وسياسياً، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في منح لبنان أو “حزب الله” صورة الانتصار أو فرض معادلة ردع جديدة. ومن هنا يمكن فهم استمرار الضربات الجوية بالتوازي مع التسريبات عن هدنة، وكأن تل أبيب تقول إنها مستعدة للتهدئة، ولكن بشروطها هي، وتحت سقف تفوقها العسكري.
وفي العمق، تكشف هذه المرحلة أن المفاوضات الجارية لا تتعلق فقط بوقف نار مؤقت، بل بمحاولة رسم قواعد جديدة للاشتباك في الجنوب، وربما في المنطقة بأكملها. فواشنطن تسعى إلى انتزاع ترتيبات أمنية طويلة الأمد تتصل بسلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني، وضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل. ولذلك تبدو الهدنة المطروحة وكأنها جسر عبور نحو مفاوضات أكبر وأكثر تعقيداً، لا نهاية فعلية للحرب.
وعليه، يبقى لبنان معلقاً بين نار لم تنطفئ بالكامل، وتسوية لم تولد بعد، وأن الساعات المقبلة وحدها ستحدد ما إذا كانت هدنة الأيام الخمسة والأربعين ستتحول إلى بداية مسار سياسي جديد، أم إنها مجرد محطة عابرة في حرب طويلة تُدار بالنار والتفاوض معاً.




