خاصأبرزرأي

لبنان بين ضغط التسوية ومخاطر الانفجار

المحامي يوسف بهاء الدويهي, رأي سياسي:

لم تعد المواجهة في الشرق الأوسط مجرد صراع تقليدي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى. ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، مستفيدة من الحروب والانهيارات الاقتصادية التي أصابت عدداً من الدول، وفي مقدمتها لبنان.

فالولايات المتحدة عادت بقوة إلى الشرق الأوسط بعدما أدركت أن سنوات الانكفاء سمحت بتوسّع النفوذ الإيراني والروسي والصيني، فيما ترى إسرائيل أن اللحظة الحالية تشكّل فرصة نادرة لإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بها، وإضعاف “محور الممانعة” إلى الحد الأقصى.

في المقابل، تدرك إيران أن خسارة نفوذها في لبنان والعراق واليمن لن تكون مجرد خسارة سياسية، بل ضربة مباشرة لموقعها الإقليمي، ولقدرتها على التفاوض مع الغرب. لذلك تعتمد سياسة الصمود والاستنزاف، وتجنّب الحرب الشاملة، مع الحفاظ على أوراق الضغط التي تملكها في أكثر من ساحة.

وسط هذا المشهد، يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب الصراع الإقليمي. فالضغوط التي يتعرض لها رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، للدخول في مسار تفاوض سياسي مباشر مع بنيامين نتنياهو، تعكس بوضوح التوجه الأميركي–الإسرائيلي نحو فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.

لكن المسألة في لبنان تتجاوز ملف الحدود أو وقف إطلاق النار. فداخل الشارع اللبناني، لا يُنظر إلى أي لقاء مباشر مع نتنياهو كخطوة دبلوماسية عادية، بل كتحول سياسي كبير قد يغيّر موقع لبنان في الصراع الإقليمي. ولهذا تحاول السلطة اللبنانية المناورة بين حاجتها إلى الاستقرار والدعم الدولي من جهة، وخشيتها من انفجار داخلي إذا بدا أن البلاد تُدفع سريعاً نحو مسار تطبيع سياسي شامل، من جهة أخرى.

من هنا يمكن فهم سياسة “شراء الوقت” التي تعتمدها الدولة اللبنانية اليوم؛ فلا هي قادرة على رفض الضغوط الدولية بالكامل في ظل الانهيار الاقتصادي، ولا هي قادرة على الذهاب سريعاً نحو خطوات قد تُحدث انقساماً داخلياً واسعاً.

المشكلة أن المنطقة تبدو وكأنها تتجه أكثر فأكثر نحو مفهوم “فرض السلام بالقوة”، أي محاولة صناعة الاستقرار عبر التفوق العسكري والضغط السياسي، لا عبر معالجة أسباب الصراع الحقيقية. لكن تجارب المنطقة أثبتت أن السلام الذي يُفرض بالقوة يبقى هشاً ومؤقتاً، وأن الحروب قد تفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع استقراراً دائماً.

لبنان عالق في موقع شديد الحساسية، بين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل، فيما يبقى السؤال الأهم: هل يمكن بناء استقرار حقيقي في الشرق الأوسط بالقوة وحدها، أم أن أي سلام لا يقوم على العدالة والتوازن سيبقى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى