رأي

كيف باءت استراتيجية السعودية المناهضة للحوثيين بالفشل الذريع؟

الفاضل إبراهيم – مجلة “Responsible Statecraft” الأميركي:

بعد مرور 11 عاماً على التدخل في حرب اليمن، قد تجد الرياض نفسها مضطرة للتفاوض مع “أنصار الله” وفق شروط الجماعة.

على مدى عقد من الزمان، ارتكزت سياسة المملكة العربية السعودية تجاه اليمن على افتراض مفاده أن الوقت والمال والقوة القسرية، إذا ما استُخدمت بصبر واستراتيجية، ستولّد في النهاية ما يكفي من أوراق الضغط لإخضاع الحوثيين، أو على الأقل إجبارهم على القبول بتسوية وفق شروط الرياض.

وفي الأسبوعين الماضيين، خضع هذا الافتراض لاختبار قاسٍ يفوق في حدته أي مرحلة سابقة منذ عام 2015، حين أطلقت السعودية تدخلها العسكري لإنهاء سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، وقد أثبتت الأحداث عدم صحة ذلك الافتراض.

فبعد الاستيلاء على مساحات استراتيجية مهمة من الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، يضغط الحوثيون الآن باتجاه مأرب، التي تُعد المعقل الرئيسي الأخير للقوات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتضم بعضاً من أهم منشآت النفط والغاز في البلاد.

وإذا كانت خسارة ساحل البحر الأحمر قد شكّلت ضربة للحكومة، فإن خسارة مأرب ستكون بمثابة هزيمة حاسمة؛ إذ ستعني فقدان آخر مركز رئيسي للكثافة السكانية والإيرادات في الشمال، وخسارة موطئ قدمها المتبقي بالقرب من العاصمة. كما ستفتح الطريق أمام الحوثيين نحو محافظتي شبوة وحضرموت الشرقيتين الغنيتين بالطاقة، وهما منطقتان طالما تطلع الحوثيون إلى السيطرة عليهما، إذ تشمل مطالبهم الأساسية الحصول على حصة من ثروات النفط والغاز التي تنتجها هاتان المحافظتان.

وفي حين تتصدر عناوين الأخبار قصص عن القوة الحوثية الهائلة، فقد حققت القوات الحكومية بعض المكاسب أيضاً؛ إذ استعادت مواقع شمال غربي مأرب، وصدّت هجومين كبيرين للحوثيين الأسبوع الماضي، كما أحرزت تقدماً غربي تعز يوم الأحد.

وتُعد قدرة القوات الحكومية على شن هجمات مضادة متماسكة والحفاظ على مواقعها، بدلاً من الانهيار تحت وطأة الضغط، واحدة من أهم المسائل العالقة في الحرب الراهنة.

غير أن الأدلة تشير إلى وجود مشكلات هيكلية داخل التحالف المناهض للحوثيين؛ إذ يسلّط تحليل مفصل لمعركة المخا، أعدّه المحلل المختص بالشأن اليمني إبراهيم جلال، الضوء على أمر انسحاب ملفّق دبّره الحوثيون، وجرى نشره عبر اللاسلكي والرسائل النصية القصيرة باستخدام صوت قائد جرى استنساخه بتقنية الذكاء الاصطناعي.

وقد أحدثت تلك الرسائل تصدّعاً في صفوف قوات التحالف، التي كانت تفتقر، بحسب رواية جلال، إلى غرفة عمليات مشتركة تربط فعلياً بين التشكيلات الخمسة المكلفة بالدفاع عن الساحل. وتتطابق هذه التفاصيل تماماً مع ما كان وزير الدفاع اليمني، طاهر العقيلي، قد أقرّ به بالفعل في مقابلة أُجريت قبل أسابيع؛ إذ أشار العقيلي إلى أن جهود “التوحيد” العسكري، التي تلت انسحاب الإمارات العربية المتحدة من اليمن العام الماضي، قد أثمرت عن نظام موحد للرواتب وآخر للهوية البيومترية، لكنها لم تُفضِ إلى تدريب مشترك أو هيكل قيادي موحد من شأنه تمكين الفصائل المختلفة، التي تقاتل تحت مظلة الحكومة، من القتال بفاعلية كقوة واحدة.

وعملت الرياض على توحيد الهيكل التنظيمي للقوى المناهضة للحوثيين من خلال إجبار القوات الإماراتية على الانسحاب من اليمن أواخر العام الماضي. وجاء ذلك رداً على هجوم جريء شنّه انفصاليون جنوبيون مدعومون من الإمارات، استولوا خلاله على مناطق استراتيجية في الجنوب وكانوا يستعدون لإعلان الاستقلال. ومع ذلك، لم يؤدِّ إخراج الإمارات إلى توحيد المؤسسة العسكرية، ولا إلى التوفيق بين المصالح المتضاربة لأقطاب السلطة الذين يشكلون “مجلس القيادة الرئاسي” في اليمن.

وتزامنت الانتكاسات التي واجهتها الرياض في اليمن مع مشكلات إضافية في الشمال؛ إذ أكدت وزارة الخارجية السعودية، يوم الجمعة، أن الطائرات المسيّرة التي عطلت خط أنابيب “شرق-غرب”، وهو الشريان الحيوي الذي ينقل ما يصل إلى 4% من الإمدادات العالمية إلى البحر الأحمر، انطلقت من الأراضي العراقية.

ويشير توقيت هذه الهجمات، التي وقعت خلال فترة الـ72 ساعة نفسها التي شهدت الانهيار الميداني في المناطق الساحلية وموجة جديدة من ضربات الحوثيين على قاعدة “خميس مشيط” الجوية جنوبي المملكة، إلى وجود تنسيق مسبق. وكانت وكالة “أسوشيتد برس” قد أفادت في أوائل أيلول/سبتمبر، نقلاً عن مسؤولين سعوديين وعراقيين، بأن مبعوثين حوثيين عملوا داخل غرفة عمليات تديرها فصائل مسلحة عراقية، للمساعدة في تخطيط وتنفيذ هجوم سابق بـ”أسراب” من الطائرات المسيّرة استهدف البنية التحتية النفطية السعودية في تموز/يوليو.

وقد بلغ مستوى التنسيق هذا حداً جعل مقاتلاً حوثياً، وفقاً للتقارير، ضمن قائمة القتلى والجرحى عندما شنّت الولايات المتحدة والسعودية ضربات انتقامية ضد تلك الفصائل في وقت لاحق من الشهر نفسه.

وفي الوقت الذي تزيد فيه الجماعات المتحالفة مع إيران في المنطقة من ضغوطها على الرياض، وصلت الجهود الدبلوماسية بين دول الخليج العربية وإيران إلى طريق مسدود؛ فقد أُلغي الاجتماع الذي كان مقرراً عقده يوم الاثنين في سلطنة عُمان بين طهران ودول الخليج العربية، والذي كان يهدف إلى وضع إطار عمل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وذلك بعد اعتراض الرياض على صياغة توحي بأن المضيق ليس ممراً مائياً دولياً، ما ترك السعودية في موقف تتفاوض فيه بشأن ممرين مائيين استراتيجيين، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب، من دون التوصل إلى حل لأي منهما.

وفي غضون ذلك، لم تقدم واشنطن الكثير من المساعدة؛ إذ يوجد بالفعل نحو 200 عسكري أميركي في المملكة العربية السعودية ضمن قيادة مشتركة شُكّلت حديثاً، حيث يقدمون الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، بدلاً من المشاركة بقوة قتالية مباشرة.

وعندما سُئل الرئيس دونالد ترامب مباشرة، يوم السبت، عما إذا كانت الولايات المتحدة ستوجّه ضربة إلى الحوثيين نيابةً عن المملكة، كانت إجابته عملياً “لا”؛ إذ قال: “لقد اتصل بنا الحوثيون وأبلغونا بأنهم لا يريدون قتالنا، ولا يريدون مني ملاحقتهم”.

ولا شك في أن الرياض تشعر بالإحباط لأن واشنطن لا ترى تهديداً يُذكر لمصالحها الجوهرية في اليمن، رغم أن سيطرة الحوثيين على البحر الأحمر باتت الآن سبباً في الارتفاع الحاد لأسعار النفط، وهو ما يهدد الحظوظ السياسية للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

أما شركاء الرياض الآخرون، فقد قدموا دعماً أقل من ذلك بكثير؛ إذ نأت كل من تركيا وباكستان، اللتين ترتبطان مع الرياض باتفاقية الدفاع الموقعة في مكة المكرمة في آب/أغسطس، بنفسيهما تماماً عن هذا الصراع.

وفي هذا السياق، أوضح مسؤول تركي رفيع المستوى لموقع “ميدل إيست آي” (Middle East Eye) أن التحالف لم يحظَ بالوقت الكافي ليصبح جاهزاً للعمليات الفعلية؛ إذ لا يزال يتعين على الدول الأعضاء التصديق على المعاهدة محلياً، ثم بناء آليات للعمل المشترك والتخطيط الموحد لدعمها. وقد يستغرق كل ذلك “بضع سنوات”، بحسب المسؤول.

والأمر المقلق هو أن التوصل إلى حل للصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وهو أمر لا يزال يبدو بعيد المنال، قد لا يحقق للسعودية قدراً كبيراً من الانفراج.

ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الحوثيين بأنهم “عملاء ووكلاء للإيرانيين”، في حين رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، هذا التوصيف، مشدداً على أن جماعة “أنصار الله”، وهو الاسم الرسمي للجماعة، “لا تتلقى أوامر من أحد”. ورغم أنه لا يمكن للرأيين أن يكونا صحيحين تماماً في آن واحد، فإن الأدلة المتزايدة تدعم وجهة النظر الإيرانية.

ولم تبدأ عداءات الحوثيين تجاه المملكة العربية السعودية بفضل الدعم الإيراني؛ فقد اعتبر مؤسسو الحركة الرياض خصماً لهم منذ اللحظة التي نظّموا فيها صفوفهم في تسعينيات القرن الماضي، كاستجابة إحيائية شيعية زيدية لمواجهة الأنشطة الدعوية السنية الوهابية الممولة سعودياً في المرتفعات الشمالية لليمن. وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، وهو ما دفع الرياض إلى تشكيل تحالف عسكري لإنهاء هذا الاستيلاء عام 2015، ازدادت حدة العداء. ورغم أن هدنة عام 2022 خففت من حدة القتال المباشر، فإنها لم تفعل الكثير لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع.

ومنذ تلك الهدنة، ازداد الحوثيون جرأةً وثقةً. والواقع أن الحوثيين لم يضعفوا عسكرياً جرّاء أي من الحملات العقابية التي شُنّت ضدهم، سواء الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادات عليا وأسفرت عن مقتل رئيس وزراء الجماعة ورئيس أركانها العسكري، أو “عملية راف رايدر” (Rough Rider)، وهي حملة قصف أميركية استمرت شهرين وتكلفت مليار دولار في العام الماضي.

وإذا كان الضغط العسكري بهذا الحجم لم يحقق النتيجة المرجوة، فمن المنطقي القول إن التفاوض يمثل البديل العملي الوحيد على المدى القصير.

وقد أعلن الحوثيون بالفعل شروطهم؛ إذ حدد زعيم جماعة “أنصار الله”، عبد الملك الحوثي، رقماً في آذار/مارس الماضي: أكثر من 57 مليار دولار كتعويضات عن خسائر قطاع النفط الناجمة عن الحرب التي قادتها السعودية، إلى جانب مطالب قائمة برفع ما تصفه الجماعة بـ”الحصار” المفروض على مطاراتها وموانئها البحرية، والحصول على حصة من عائدات النفط والغاز اليمنية، وهي العائدات ذاتها التي تسعى الجماعة الآن إلى الاستيلاء عليها بالقوة.

ولا يوجد مخرج سهل أو “نظيف” من هذا المأزق بالنسبة إلى الرياض؛ فحتى لو تم التوصل إلى اتفاق بتلك التكلفة الباهظة ووفق شروط صعبة كهذه، فإن ذلك لن ينهي التهديد. بل سيعمل الاتفاق، ببساطة، على تمويل المرحلة التالية من الصراع، من خلال تعزيز حركة ستحتفظ، لأجل غير مسمى، بالقدرة على تهديد البنية التحتية للطاقة في السعودية متى شاءت.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى