كاميرون مسؤول عن الفوضى السياسية في بريطانيا

في الذكرى الـ10 لـ”بريكست” من المهم تذكر الدور المحوري الذي لعبه زعيم المحافظين السابق في الفوضى التي نجمت عن قراراته
جيمس كيركاب – اندبندنت عربية:
حوّل ديفيد كاميرون استفتاء “بريكست” من مناورة حزبية لاحتواء اليمين المحافظ إلى كارثة سياسية واقتصادية سممت بريطانيا جيلاً كاملاً، ثم انسحب من المشهد تاركاً البلاد أمام فوضى صنعها بنفسه. صورة رئيس الوزراء الهادئ والمهذب تخفي غروراً طبقياً وسلسلة وعود متهورة انتهت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبمسار شخصي مربح يبيع فيه كاميرون اليوم دروساً عن قيادة الاضطراب الذي أسهم في تفجيره.
ربما تركت كارثة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” التي تسبب بها ديفيد كاميرون ندوباً في اقتصاد المملكة المتحدة وسممت سياستها جيلاً كاملاً، لكنها لا تزال، في الأقل، تمنحنا بعض لحظات الكوميديا السوداء.
إليكم أحدث دعابة تثير الضحك من فرط السخرية من “ديف”، الرجل الذي قامر بمستقبل بريطانيا على جاذبيته الشخصية: إنه يجني المال اليوم من إلقاء محاضرات عن كيفية “القيادة في زمن الاضطراب”، مستنداً إلى تجربته في إدارة استفتاء الاتحاد الأوروبي.
وإذا صادف أن كنت في كالغاري بكندا في أواخر سبتمبر (أيلول)، فستتاح لك فرصة حضور مؤتمر “Energy Disruptors: Unite”، وهو ملتقى لكبار العاملين في قطاع الطاقة. وكما يحدث غالباً في مؤتمرات الأعمال، استعان المنظمون بمتحدث نجم لإلهام المشاركين.

ديفيد كاميرون، ويظهر هنا متحدثاً مع الرئيس التشيلي، إذ لا يزال يتمتع بسمعة جيدة على الساحة الدولية على رغم تداعيات الاستفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي (إكس)
نعم، إنه كاميرون. ونعم، إنه ذاهب إلى ألبرتا، المقاطعة التي تفكر في إجراء استفتاء على الانفصال عن كندا، كي يشارك حكمته في التعامل مع “التصويتات الكبرى على السيادة”.
وبحسب منظمي المؤتمر: “شهدت اسكتلندا تصويتاً على الاستقلال عام 2014 حين كان رئيساً للوزراء، وبالطبع مر ديفيد كاميرون أيضاً بتجربة بريكست عام 2016. سيتحدث عن سجله في ملف الطاقة، لكنه سيتحدث أيضاً عن هذين التصويتين الكبيرين على السيادة، وعن كيفية القيادة وسط الاضطراب والتفكك عندما تبلغ الانقسامات السياسية عمقاً شديداً”.
وأقل ما يقال هنا إن من الصعب جداً تصديق أن كاميرون قادر على تقديم دروس مفيدة انطلاقاً من كارثة سياسية واستراتيجية كان هو سببها، لا سيما أن الحقيقة ليست أنه “قاد وسط الاضطراب والتفكك”، بل أنه ساعد في صنعهما، ثم هرب بدلاً من أن يواجه فشله أو يتعامل مع عواقبه.
ومع حلول الذكرى الـ10 لـ”بريكست”، يصبح من الصواب، بل من الضروري، تذكر الدور المحوري الذي لعبه كاميرون في هذه الفوضى كلها. لدى بريطانيا ولع بالحنين إلى الماضي، فهي تضفي مسحة وردية على ذكرى قادتها السابقين، وتسمح لهم عادة بالانسحاب إلى تقاعد مريح بتسامح وافر، وقد زادت الاضطرابات السياسية الأحدث من قوة هذا الحنين. أليس التعاقب المستمر لرؤساء وزراء ميؤوس منهم كافياً كي يجعلك تتمنى الهدوء والاتزان النسبيين في سنوات كاميرون؟
ففي النهاية، حكم كاميرون ست سنوات، وهي مدة تكاد تبدو اليوم غير قابلة للتصور، بل وتمكن من تحقيق قدر من التعاون العابر للأحزاب مع الديمقراطيين الليبراليين بقيادة نيك كليغ. ألا تعني الأزمة الدائمة في السياسة البريطانية اليوم أن كاميرون يستحق حكماً إيجابياً نسبياً من التاريخ؟

كاميرون وكليغ: إذا كان تعاقب رؤساء الوزراء اليوم يجعلك تحن إلى زمن أبسط، فعليك أن تعيد النظر في ذاكرتك عن قيادة كاميرون لحكومة الائتلاف (غيتي)
لا. لا. قطعاً وبلا أي تردد، لا. يجب أن يذكر كاميرون دائماً بوصفه أسوأ رئيس وزراء في حقبة ما بعد الحرب من حيث جسامة العواقب. يجب أن يبقى اسمه إلى الأبد مرادفاً للفشل، فشل تبعه جبن مدمر.
إن سلاسة كاميرون غير العادية وثقته الطاغية بنفسه تمنحانه سلاحاً قوياً في معركة الذاكرة التاريخية، فتاريخ بريطانيا الإقطاعي وافتتانها الدائم بالطبقة يجعلانها تميل إلى أبناء النخبة، في الأقل حين يطلون في صورة السيد الريفي الودود.
ثمة طمأنينة ما في الاعتقاد بأن أشخاصاً حكماء ونبلاء في القمة يتولون تدبير الأمور، وإلا فكيف نفسر إقبال الناس على مشاهدة أعمال مثل “داونتاون آبي” والاستمتاع بها على ما يبدو؟ لقد ولد كاميرون لهذا الدور، ومهاراته التمثيلية رفيعة حقاً، فهو يؤدي شخصية “الأرستقراطي الجذاب والمهذب” ببراعة تفوق الممثل هيو بونفيل.
لكنه تمثيل بالطبع، ويقال إن الناس يتهامسون عن تغير شخصيته عندما تنطفئ الكاميرات، إذ يتحول إلى النمط الآخر من ابن الطبقة العليا: متعال ومتعجرف.
كان ذلك الغرور منبع مسيرته السياسية وأصل كارثة “بريكست”، فقبل أن يصبح زعيماً لحزب المحافظين عام 2005، سئل في عشاء خاص لماذا يريد أن يصبح رئيساً للوزراء، فأجاب بوجه جاد: “لأنني سأكون جيداً في ذلك”.
يمكن سرد تاريخ “بريكست” عبر سلسلة من الوقائع التي بدا فيها كاميرون كأنه يفترض أن بوسعه أن يسحر الناس فيتبعوه، ثم ألا يمانعوا عندما يخذلهم. فاز بزعامة الحزب عام 2005 لأنه وعد المشككين المحافظين في الاتحاد الأوروبي بالانسحاب من كتلة حزب الشعب الأوروبي في البرلمان الأوروبي، وهو وعد رفض منافساه ديفيد ديفيس وليام فوكس تقديمه، لأنهما اعتقدا أنه سيرفع سقف التوقعات لدى اليمين إلى مستوى غير واقعي.
وقد رسم ذلك النمط الذي اتبعه كاميرون، إذ أمضى عقداً وهو يطلق وعوداً متزايدة الطموح في شأن أوروبا، انتهت كلها إلى الفشل. ففي عام 2007، قطع وعداً “قاطعاً” بإجراء استفتاء على معاهدة لشبونة الأوروبية، ثم تراجع عنه عام 2010. وساعد ذلك الوعد المنقوض في جعل نايجل فاراج وحزب استقلال المملكة المتحدة جزءاً من السياسة السائدة، كما أن جموع المحافظين المتشككين في أوروبا، الذين خيب ذلك الوعد آمالهم، ظلت تلاحق حكومته، فاستسلم لهم ولفاراج، ووعد بإجراء استفتاء على البقاء أو الخروج، وهو الاستفتاء الذي كان يقول دائماً إنه خطأ. وبنى التصويت على وعد آخر غير واقعي: أنه يستطيع استخدام سحره الشخصي للتفاوض على إصلاحات، وإعادة صياغة تسوية جديدة لبريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
وعندما فشلت تلك المغامرة الدبلوماسية المتغطرسة، كما كان محتوماً لها أن تفشل، صار الاستفتاء خياراً بسيطاً بين الوضع القائم و”التغيير”، وفرصة لتوجيه ضربة إلى المؤسسة الحاكمة. كان التصويت لمصلحة الخروج قابلاً للتوقع تماماً، فالعملة لا تسقط عند رميها إلا على أحد وجهين، لكنها مع ذلك جاءت صدمة شلت الحكومة البريطانية لأسباب تعود كلها لكاميرون.
أولاً، أمر جهاز الخدمة المدنية بعدم الاستعداد لاحتمال الفوز بالخروج، وهو فعل يقترب من التخريب. ثم، عندما صوت الناخبون لمصلحة “بريكست”، استقال بنزق، تاركاً البلاد، وهي في أمس الحاجة إلى قيادة حازمة، تكاد تمضي بلا دفة. وتشير دراسة حديثة لنيك بلوم من جامعة ستانفورد، استخدمت بيانات خاصة من بنك إنجلترا، إلى أن نصف الضرر الاقتصادي الناجم عن “بريكست” وقع بفعل الصدمة الفوضوية التي أعقبت التصويت مباشرة. كانت تلك هي الفترة التي انصرف فيها كاميرون، الرجل المسؤول، إلى لعب التنس، ولم يتوقف إلا بما يكفي لمنح مصففة شعر زوجته، بين آخرين، وسام الإمبراطورية البريطانية.
بعد ذلك، انزلق كاميرون إلى تقاعد مبكر مربح، لكنه غير مرهق، فالعمل الشاق شأن من هم دونه. قد تظن أن رجلاً ولد ثرياً ويملك منازل مريحة في كوتسوولدز وغرب لندن وكورنوال، لديه ما يكفي، لكن أفراداً من دائرته الاجتماعية يقولون إنه لا يزال يريد المزيد. الحلم، كما يبدو، عقار اسكتلندي يستطيع فيه السباحة في البحر وصيد الغزلان. فهو ماهر في استخدام البندقية، كما تعلمون.
وقد دفعه السعي وراء المال إلى مرحلة قذرة عمل فيها في الضغط لمصلحة الممول الأسترالي المشين ليكس غرينسيل، ومنذ ذلك الحين، خفض ظهوره العام، لكن نظرة إلى سجله الطويل في سجل مصالح مجلس اللوردات تظهر أنه لا يزال يجني المال من تجربته البائسة كرئيس للوزراء. ففي العام الماضي، ألقى 15 خطاباً مدفوعاً أمام بنوك، إلى جانب أعمال استشارية ومجموعة من الأدوار الاستشارية لدى شركات استثمار خاص وتكنولوجيا وصناديق تحوط. وكل ذلك يوحي، للأسف، بأن هناك من لا يزال مستعداً للدفع في مقابل أدائه المتقن لدور رجل الدولة المهذب.
وأحياناً يحظى الجمهور بظهور خاطف له أيضاً، فإذا شاهدت وثائقي “بريكست: حرب أهلية بريطانية جداً” الذي عرضته “بي بي سي” أخيراً، فستراه يعود لخشبة الأداء، يروي بصوت هادئ وناعم كيف بدد أهم علاقة اقتصادية ودبلوماسية لبلاده، وهو يعلن في الوقت نفسه إحساسه العميق بـ”الواجب” تجاه البلد الذي خذله. عفواً، حسناً، لقد بذلت ما في وسعي، لكن هذه الأشياء تحدث أحياناً يا عزيزتي. لا بأس، أليس كذلك؟
ينبغي ألا نغض الطرف، بل ينبغي قطعاً ألا نغض الطرف، ولتخليد دوره في “بريكست” يجدر بنا أن نقيم تمثالاً لكاميرون في مكان ما، ثم نحطمه إلى قطع، ونعرض الركام مع لوحة منقوشة بقصيدة شيلي “أوزيماندياس”، وهي قصيدة كأنها كتبت من أجله:
“لقيت مسافراً من أرض عتيقة،
قال: ساقان هائلتان من حجر، بلا جذع،
تنتصبان في الصحراء… وبالقرب منهما، على الرمل،
وجه محطم، نصف مغمور، تعلوه تقطيبة،
وشفة مجعدة، وابتسامة ازدراء باردة آمرة،
تدل على أن النحات أحسن قراءة تلك الأهواء،
فبقيت حية، منقوشة على هذه الأشياء الميتة،
اليد التي حاكتها، والقلب الذي غذاها.
وعلى قاعدة التمثال تظهر هذه الكلمات:
اسمي أوزيماندياس، ملك الملوك،
انظروا إلى أعمالي، أيها الجبابرة، وايأسوا!
لا شيء غير ذلك يبقى. حول حطام ذلك الصرح الهائل،
ممتداً وعارياً بلا حدود،
تمتد الرمال الوحيدة المستوية إلى البعيد”.
لقد كنت عظيماً يا ديف، ملك الملوك لفترة وجيزة. والآن لم يبق شيء، سوى السخرية المرة من بلد يجب أن يضحك دائماً من فشلك.




