رأي

في تحليل خطاب الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية

محمد سي بشير – العربي الجديد:

بدأت بشائر النقاش السياسي في فرنسا، في أفق رئاسيات 2027، تبرز وفي قلبها إشكاليّتان، الإسلام والجزائر، لنعود، مرّة أخرى، إلى جدل الطُرشان ونقاش من لا يبحث عن جدال سياسي مثمر، بل عن شمّاعات يعلّق عليها فشل عهدتي ماكرون، وتراجع مكانة فرنسا، إضافة إلى تراكم الدّين الداخلي (أكثر من ثلاثة ترليونات يورو) والمشكلات الاقتصادية، ما ينذر بحملات انتخابيّة فيها من الشّعبوية والتحيُّز ضدّ الأجنبي والإسلام أكثر ممّا يمكن أن يكون مساراً للبحث عن حلول لإشكالات فرنسا التي يعمل حزب واحد ومرشّحه، فرنسا الأبية اليسارية وميلونشون، على التأكيد عليها، ولكنّها تشبه صرخات في واد، من فرط التركُّز الإعلامي في يد رجال أعمال من اليمين المتطرّف، وعلى محوري الإسلام والجزائر، بصفة خاصّة، ليس إلّا.

عادت مسألة الحجاب لتطلّ علينا من منابر الإعلام اليميني المتطرّف بعد اقتراح ممثّل من اليمين المتطرّف (التجمُّع الوطني) حظر الحجاب في الفضاء العام إذا وصل مرشّح الحزب (مارين لوبان) الى قصر الإليزيه مع إرفاق الامتناع عن تطبيق القرار بعقوبات ماليّة متصاعدة كما عمد روتايو، مرشّح الحزب الجمهوري اليميني، إلى اقتراح حظر الحجاب في الجامعات من خلال سنّ قانون ليلتقي السياسيان في طرح شعبوي لمسألة قال عنها جون لوك ميلانشون، مرشّح فرنسا الأبيّة، بأنّها لعب على أوتار كراهيّة الأجنبي وطرح شعبوي لربح معركة الوعاء الانتخابي اليميني، ذلك أنّ المعركة ستكون محتدمة بين اليمين المتطرّف، ممثّلا في التّجمع الوطني و حزب إيريك زمور (الاسترجاع)، من جهة، واليمين الجمهوري، ممثّلا في شخصيّتين، هما مرشّح الماكرونيين إدوارد فيليب، ووزير الداخلية السابق وزعيم الحزب الجمهوري، روتايو، من جهة أخرى، ما يُنذر ببروباغاندا ستتعمّق في الطرح الشعبوي وفي الهجوم على الإسلام وهويّات المهاجرين، ولتكون المعركة الانتخابيّة هويّاتية أكثر منها معركة سياسيّة أو معركة برامج وسياسات عامّة فاشلة تحتاج إلى بديل أكثر نجاعة وفاعليّة.

بتطبيق مقاربة تحليل المضمون في الخطاب الإعلامي، يدلّ تكرار عبارة الإسلام وما يقترب منها من عبارات على غرار الإسلاموية، الشريعة، القرآن، المسلمون وغيرها، على أنّ الأمر لا يعدو كونه، أوّلاً، سكريبت معدّاً سلفاً ليكون مكرّراً بعبارات مختلفة وعلى لسان عديد من يُسمّون بالأخصّائيين، جيوسياسيين، محلّلين سياسيّين، نفسانيين، علماء لغة أو تربويّين، من ذات التوجه اليميني المتطرّف وعلى القنوات اليمينيّة المتطرّفة نفسها، ثمّ، ثانياً، هو مجرّد شمّاعة تبريريّة لتوجيه الدعاية بعيداً عن البرامج الاقتصاديّة والمسائل المرتبطة بها من إلزاميّة اقتراح البدائل للسّياسات العامّة التي يصفونها بالفاشلة في عهدتي ماكرون أو بالنسبة إلى إدارة الاشتراكيّين قبله (فرانسوا هولاند، الاشتراكي في عهدته (2012- 2017) بل، أيضا، في تنافس مع اليمينيّين واتّهام بإدارة سيّئة في عهدة الرّئيس الأسبق ساركوزي، اليميني (2007- 2012).

لعب على أوتار كراهيّة الأجنبي وطرح شعبوي لربح معركة الوعاء الانتخابي اليميني

لماذا دعاية شعبوية، وليس بدائل برامجية للسّياسات العامّة الفاشلة؟ السبب أنّ المرشّحين، من تلك التوجهات السياسية، غير ضالعين في النقاش الاقتصادي وينقصهم الفهم العميق للإشكالات المرتبطة بالإدارة الماليّة والسياسية، ما يلجئهم إلى الخطاب الشعبوي المعتمد على عبارات فضفاضة وتكرار لخطاب منمّق من دون عمق. وبالتركيز على مسائل معيارية على غرار الحجاب أو الإسلام، بصفة عامّة، باعتبار أنّ الدعاية تعتبر المسلمين دخلاء، ومنحهم الجنسيّة الفرنسيّة (لمن وُلدوا في فرنسا من أبناء الأجيال الثاني والثالث والرابع من المهاجرين) أو اعتبارهم مواطنين، هو تجاوز في حق الطابع الكاثوليكي لفرنسا، ومنها دعوة روتايو إلى اقتراح أن يسجل في الدستور الفرنسي أن بلاده تعيش بهوية مزدوجة مسيحيّة- يهوديّة في ميراثها الحضاري (يشبه هذا المادة الثانية من الدُّستور الأوروبي الذي قام بصياغة مشروعه الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان، معتبراً أنّ الفضاء الأوروبي مسيحي- يهودي، دينيّاً وبميراث إغريقي روماني، حضاريّاً).

ملفّ آخر محوري في الدعاية الانتخابيّة التي بدأت، مبكّراً (الانتخابات الرّئاسية في إبريل/ نيسان 2027)، في فرنسا، هو الجزائر حيث لا تفتح قناة إخباريّة أو تقرأ مقالة في صحيفة بل ولا تتصفّح تطبيقاً ما من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي إلا ويصادفك خبر عن الجزائر، تضخيم لخبر عن الجزائر أو زجّ اسم الجزائر في إشكالات فرنسا أيًّا كانت، وكأنه موضوع داخلي فرنسي تُضاف له، طبعاً، تحاليل شعبوية يتمُّ إلباسها لبوساً تاريخيّاً، حيث تحضر الذاكرة الاستعماريّة، في كلّ دعاية انتخابيّة وفي كلّ حديث سياسي أو نقاش إعلامي على تلك الوسائل الإعلاميّة.

بتحليل مضمون ذلك التناول الإعلامي للجزائر، يتبيّن أنّ عدد تكرار اسم الجزائر، في اليوم الواحد، بعشرات المرّات، كما أنّ عبارات الحديث كلها اتّهامات للجزائر بأنّها من تضمر لفرنسا العداء في ملف الذاكرة وبأن الجزائر إنما تركز على ملف الذاكرة باعتباره ملفّاً ابتزازياً للحصول على مصالح بعضها لا يمتُّ بصلة الى العمل السياسي أو العلاقات الديبلوماسية بين بلدين سياديين، كما يتمّ زجُّ اسم الجزائر في الحديث عن ضلوع مزعوم للمهاجرين الجزائريّين في جرائم كثيرة تحدث في فرنسا وكأنّه لا جريمة يمكن أن تقع ولا اضطراب ما في الأحياء، يمكن أن يحدث، بعيداً عن ضلوع جزائريين فيها.

اتّهامات للجزائر بأنّها من تضمر لفرنسا العداء في ملف الذاكرة وبأن الجزائر إنما تركز على ملف الذاكرة باعتباره ملفّاً ابتزازياً

هناك، طبعاً، أحداث يكون جزائريّون ضالعين فيها، ولكن ليس بالنّسبة التي يتحدّث عنها هؤلاء، ولا بذلك الحجم من الضخامة، اذ إنّ لا مجتمع إلاّ ويكون فيه خارجون عن القانون من دون تصنيف هذا إثنيًّا ونسب ما يقع، حقيقة أو كذبا، إلى جنسيّة واحدة. وإذا حدث هذا، كما هو الحال بالنسبة لتركيز الإعلام الفرنسي على ملفّ الجزائر والجزائريّين، نكون أمام شعبوية وأمام ظاهرة تحمل وتجسّد حنين اليمين المتطرّف إلى ماضيه الاستعماري، واعتزامه عدم التناول الموضوعي لملفّات الذاكرة، ومنها استحالة تصوّر اعتراف رئيس يميني أو حكومة يمينية متطرّفة بالجرائم الاستعماريّة أو حتّى تخيُّل، مجرّد التخيُّل، أنّ فرنسا ستعتذر عن ماضيها الاستعماري الاستيطاني الدموي، خصوصاً في الجزائر.

هناك أكثر من سبب لتركيز الإعلام، وحتماً في الحملة الانتخابيّة، على ملفّي الإسلام والجزائر، ذلك أنّ الطبقة السياسية الفرنسيّة تعتقد أنّ الوعاء الانتخابي تحوّل نحو القضايا المتّصلة بالهويّة وبأنّ الإسلام والجزائر، في المخيال الاجتماعي الفرنسي، الأكثر تمثيلا لما يمكن أن يشكّل تركيزاً دعائياً انتخابيًّاً بعيداً عن المسائل التي يُقال بأنّها ثانويّة لا يمكن معالجتها، على غرار البطالة، تراجع مكانة فرنسا والتجانس الاجتماعي الفرنسي، إلّا بمعالجة ملفّي الإسلام و الجزائر حيث يشكّل الأوّل وعاء الهويّة المتناقضة مع الانتماء الهوياتي الغربي، في حين أنّ الجزائر، بمرجعيّة الماضي الذي تحنّ إليه فرنسا، وتريد أن تعيشه، ولو في مخيالها، مخيال الإمبراطوريّة الاستعماريّة مترامية الأطراف، يشكل إصراراً على الارتباط بالتاريخ البطولي ومكانة فرنسا الكبيرة، وما يلحق بذلك من استحالة وصول فرنسا إلى الاعتراف أو الاعتذار، فضلاً عن التعويض عمّا تُسمّى جرائم استعماريّة تراها، من جهتها، مجداً صنعتْه واستفادت منه الدُّول المستعمرة (بفتح الميم)، ومنها الجزائر، حيث يتذكّر الجميع مشروع القانون المقترح على الغرفة السُّفلى للبرلمان الفرنسي (الجمعيّة الوطنيّة)، في 2004، من الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، بعنوان مثير للجدال “تمجيد الاستعمار”، وقارب أن يمرّ ويتمّ إقراره لولا ضغط جهات كثيرة في فرنسا ومن الجزائر ليتمّ تجميده، مع الإبقاء على حضوره في المخيال وفي النقاش الإعلامـي، مع تبنّي اليمين المتطرّف له وحديثه المستمر عنه، خصوصاً في المواعيد الانتخابيّة.

بالرّغم من تلك الدعاية بشأن المهاجرين الجزائريّين، والجزائر بلداً ودولةً، فانّ بعض الشُّرفاء (أغلبهم من الجزائريّين المهاجرين من النُّخبة المثقّفة، الأكاديميّين من اليسار الفرنسي) ممّن ينزلون ضيوفاً على قنوات إخباريّة فرنسيّة يذكرون ما يتناقض مع مضمون النقد لكلّ ما هو جزائري. ومنها، على سبل المثال، أنّ مهاجرين جزائريّين كُثُراً (قرابة المائة ألف) في بريطانيا، وأزيد من 80 ألفاً في كندا وفي بعض البلدان الغربيّة، بل والمشرقيّة (الخليج مثلاً)، وهم مندمجون في تلك المجتمعات، ولا يُقال عنهم ما تدّعيه الآلة الإعلاميّة الدعائيّة الفرنسيّة أنّهم معتادو الإجرام، وأنّهم فوضويون، ما يشكّل مجرّد دعاية انتخابيّـة وحملات تحريضيّة، كما قلنا، تبريراً للفشل، ومحاولة لتقديم البديل عن البرامج الانتخابيّة والمقترحات السياسية العمليّة التّي تنشّط النقاش، وتعمل على الإشكالات الحقيقيّة، بدلاً من الحديث الدعائي والكذب الإعلامي المفضوح.

طبعاً، نحن في بداية الدعاية الانتخابية غير الرسمية، والترشيحات تتوالى من كلّ الأقطاب السياسية الفرنسيّة، لكن ما توصّلنا إليه من قراءة الإعلام الفرنسي ومشاهدة محتوياته الإعلاميّة والافتراضيّة، كلُّها تتحدّث عن دعاية مسعورة وتعدٍّ سافر على الهويّة، ممثّلة في الإسلام وعلى بلد سيّد هو الجزائر، ما ينذر بحملة انتخابيّة حالية وقادمة بمضمون أكثر شعبوية، قد يكون من نتائجها احتمال بناء وعي وعقل سياسي لوعاء انتخابي ذي توجُّه يزداد تطرُّفاً، قد يكون من تداعياته صعود محتمل لليمين المتطرّف إلى سُدّة الحكم أو الحصول على الأغلبيّة البرلمانيّة (يحلّ الرئيس المنتخب الجمعيّة الوطنية، الغرفة السُّفلى للبرلمان، ويدعو إلى انتخابات تشريعيّة مسبقة)، وتشكيل الحكومة المقبلة، وذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث لفرنسا ولجوارها ولمن فيها من المهاجرين.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى