رأي

عبر إيران والخليج.. هل تضبط الصّين إيقاع التعدّدية؟

كتب وسام إسماعيل في “الميادين نت”: الرئيس الصيني للمملكة العربية السعودية عادية في ظروفها وتوقيتها، إذ إنها حصلت في لحظة تشكّل منعطفاً على مستوى التوازنات الدولية المستجدة. وإذا كانت السياسة الصينية الخارجية تخدم مشروعها الدولَتي التنموي، بحيث يمكن تصنيفها في إطار بناء القوة الصينية الاقتصادية عالمياً عبر مشروع “الحزام والطريق” وتعميق العلاقات مع الدول المؤثرة في الاقتصاد العالمي، فإن قراءة القوى الغربية عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، ارتبطت بقلق تمثله إمكانية انتظام هذه الخطوة ضمن مشروع تنسيق صيني روسي يتعلَّق بأوكرانيا وتايوان وأمن الطاقة العالمي، بما يعنيه هذا الأمر من إصرار على إلغاء مفاعيل الأحادية الأميركيّة والهيمنة الغربيّة.

بطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار الموقف الصيني في علاقات الدولة الخارجيّة مبنياً وفق سياق شبيه بالمفهوم الغربي المتشعب والمتداخل بين السياسة والاقتصاد وعملية تعميم قيمه ومثله على العالم، فالسياسة الخارجية للدولة الصينية لم تتجاوز حدود تحقيق المصلحة والمنفعة المتبادلة بعيداً عن أي اهتمام أو تدخل في حيثيات الدول الداخلية وتركيباتها السياسية ومدى انسجام السلطة أو النظام مع تركيبتها المجتمعية. 

وإذا عدنا إلى الفلسفة الصينية الحاكمة في هذا الإطار، فإنَّ القوة الاقتصادية الأولى المنافسة للولايات المتحدة الأميركية، والطامحة إلى تثبيت عالميتها كقطب اقتصادي متفوق، لم تكن تظهر أي نية صريحة لتقصد إثارة ريبة الولايات المتحدة والغرب من محاولة تغيير شكل النظام العالمي أو محاولة ممانعته، إنما كانت تستهدف دائماً الوصول إلى موقع يتيح لها الاندماج في منظومة الاقتصاد الغربي، بما يحقّق لها المزايا التي تساعد في الوصول إلى هدفها المنشود.

يمكن التقدير أنّ البراغماتية المرتبطة عضوياً بسلوك دينامي هي السمة الحاكمة لتعاطي الدولة الصينية مع الحلفاء الإستراتيجيين والخصوم على حد سواء. وإذا قفزنا فوق عمق العلاقة والترابط الذي تسعى الدولة الصينية لتكريسه مع الحلفاء من خلال الشراكات الاقتصادية الضخمة والطويلة الأمد، مثل علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو روسيا أو غيرهما، فإن المميز هو نظرة هذه القيادة إلى الخصوم، إذ إنها، على الرغم مما يعلنه هؤلاء الخصوم في السر والعلن من إرادة وإصرار على مواجهة التمدد الصيني المعتبر لديهم خطراً مصيرياً، تنظر إليهم كشركاء محتملين يمكن أن يساهموا في تحقيق مشروعها المتمدد عبر البر والبحر.

وحتى وقت قريب، كانت الدولة الصينية مصرة على فصل السياسة عن الاقتصاد، إذ إنها لم تجد أيّ مانع يمكن أن يحدّ من تطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول المعسكر الغربي بكلّ أطرافه الأساسيين والثانويين، فالعلاقات التي نسجتها مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى دول الخليج النفطية التي تدور في فلك الولايات المتحدة عبر تبعية أمنية وسياسية، كانت تدلّ على قدرة صينية على تجاوز العداء المعلن مع إمكانية تصنيفه في إطار من الندية.

وبناء عليه، لم تتوانَ الدولة الصينية عن محاولة تطوير هذه العلاقات، وعملت على ربط نزاعها مع هذه القوى وفق المنطق الذي يرى في تطوير العلاقات الاقتصادية وتحقيق الاندماج الاقتصادي فرصة لاستبعاد أيّ إمكانية لوقوع نزاع أو توتر يمكن أن يساهم في إضعاف زخم نموها وتمدّدها على المستوى العالمي.

وفي هذا الإطار، حاولت الدولة الصينية أن تستفيد من الموقف الروسي المتشدد في علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب، الذي يمثله أمنياً حلف شمال الأطلسي، إذ لم يتوانَ فلاديمير بوتين عن مواجهة القطب الغربي، المتضامن والمتحد عبر ضفتي الأطلسي، عبر التهديد باستخدام القوة إذا لزم الأمر. 

وعلى الرغم من توافق الرؤى والمصالح والأهداف بينها وبين روسيا، حاولت الدولة الصينية أن تقدم نفسها نموذجاً مختلفاً عن حليفها في طرح نموذج مختلف لشكل العلاقة التي من الممكن نسجها مع الغرب، فقد عمدت الصين في تعاطيها مع التهديدات الغربية لأمنها القومي، من خلال تايوان والوجود العسكري الأميركي في بحر الصين وعلى حدودها في اليابان وكوريا، إلى تبني إستراتيجية تؤكد من خلالها تمسكها بالحلول السلمية القائمة على التحاور والوصول إلى حلول دبلوماسية وسلمية.

من ناحيتها، كانت للولايات المتحدة الأميركية رؤية مختلفة لما تقدم؛ فقراءة الأخيرة للمسار الصيني لم تكن متوافقة مع منطق المهادنة الذي سعت الصين إلى تكريسه، فالغزو الصيني الاقتصادي لأسواقها والنجاح الذي استطاعت أن تحققه الأخيرة في علاقاتها مع الدول الأوروبية ودول الخليج لم يكن مقبولاً لدى دوائر القرار الأميركي، إذ إن تقدير الإدارات الأميركية، بطرفيها الجمهوري والديمقراطي، كان قائماً وفق رؤية تفترض تقاسماً للأدوار وتنسيقاً مريباً بين الطرفين الروسي والصيني.

لذلك، لم تتردّد الإدارة الأميركية، في لحظة الاشتباك الغربي مع روسيا في أوكرانيا، في محاولة فتح جبهة جديدة مع الصين عبر تايوان، إذ لا يمكن تصنيف أوكوس أو زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتايوان في آب/أغسطس الماضي إلا في هذا الإطار. 

وفي هذه اللحظة، تيقنت القيادة الصينية من انعدام إمكانية تفادي المواجهة مع الولايات المتحدة. وبالتوازي مع ردّها الدبلوماسي الذكي على هذه الزيارة، وما رافقه من مناورات ضخمة قرب الشواطئ التايوانية، لم تتردّد في انتهاز فرصة استغلال حالة الجفاء التي تطغى على علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع دول الخليج، نتيجة إحساس هذه الممالك بجدية الانكفاء الأميركي عن المنطقة وتفادي حسم الملفات المصيرية فيها، من اليمن إلى سوريا والنووي الإيراني، إضافة إلى الموقف الأميركي السلبي من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على خلفية مقتل جمال خاشقجي في تركيا.

وبناءً عليه، أمكن تصنيف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السعودية في هذا الإطار؛ فإذا كان من الطبيعي أن يشهد العالم زيارة رئيس الدولة المستوردة الأولى عالمياً للنفط إلى الدول المصدرة الأولى عالمياً للنفط، فإنَّ اللافت أن الزيارة تخطت إطار تطوير العلاقات الثنائية وتوثيق عرى التكامل بين الدولتين في مجال الطاقة إلى إطار بناء علاقة صينية خليجية وعربية جامعة، إذ شارك في فعاليات هذه الزيارة كل من مصر والأردن والعراق وتونس وموريتانيا والأردن، إضافة إلى دول الخليج.

من ناحية أخرى، لم يتردد الرئيس الصيني في تبني سردية دول الخليج في الموقف من الجمهورية الإسلامية، إذ قبلت الصين بإدراج ملف الجزر الإيرانية الثلاث التي تطالب بها الإمارات، إضافة إلى المفاوضات النووية ودعوة طهران إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

بالطبع، لا يمكن اعتبار الموقف الصيني هذا تخلياً عن الجمهورية الإسلامية، فقد تعمدت القيادة الصينية إرسال نائب الرئيس الصيني إلى طهران مباشرة بعد القمة، إذ أكّد صلابة العلاقات وحرص بلاده على تعزيزها وتعميقها مع الجمهورية الإسلامية. 

واللافت في هذا الإطار أنَّ الدولة الصينية آثرت تبني سلوك جديد في علاقاتها الدولية، إذ استندت إلى نمط جديد من البراغماتية الهادفة إلى التعاطي مع حلفائها وفق منطق المتحرر من التماهي الذي يمكن أن يفسر أنه تبني موقف على حساب آخر.

وبناءً عليه، يمكن القول إن الدولة الصينية انتقلت من موقع تقليدي دفاعي فرضته اندفاعة الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى موقع متطور يفترض إمكانية سعي الدولة الصينية للمبادرة ومحاولة ضبط إيقاع التعددية القطبية، مستفيدة من محاولة تخلّص حلفاء الولايات المتحدة من عقدة تبعيتهم، ومن مبادرة روسيا إلى هجوم عسكري أظهر إصراراً على إنهاء الأحادية الغربية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى