رأي

صنعاء تنشّط ميناء المخا | ما بعد باب المندب: فرص اقتصادية كبرى

رشيد الحداد – الميادين:

تفتح سيطرة «أنصار الله» على باب المندب والساحل الغربي لليمن الباب أمام تحوّلات اقتصادية وجيو-اقتصادية، مع سعي صنعاء إلى إعادة تشغيل الموانئ واستثمار الموقع الاستراتيجي والثروات والموارد المتاحة.

صنعاء | أثارت سيطرة حركة «أنصار الله» على مضيق باب المندب والمدن الساحلية المطلّة عليه جنوبي البحر الأحمر، تساؤلات حول الأثر الاقتصادي المتوقّع لخارطة السيطرة الجديدة التي امتدّت من غربي محافظة تعز إلى جنوبي محافظة الحديدة. فبخلاف الأهمية الاقتصادية لتلك المنطقة، لا يستفيد اليمن، راهناً، من إشرافه على المضيق، وذلك لانعدام البنى التحتية اللازمة لديه، لكن إحكام قوات صنعاء قبضتها عليه، يبدو أنها بدأت تعيد الأمل في إمكانية توظيف خصوصية الموقع الجغرافي المهمّ لليمن، في خدمة الاقتصاد الكلّي للبلاد.

وعلى مدى الأيام الماضية، انشغلت حكومة صنعاء بتطبيع الأوضاع في مدن الساحل الغربي المستعادة، وتحديداً المخا والخوخة وحيس ومركز مديرية ذوباب، إذ شكّلت تلك الحكومة فرقاً فنّية واقتصادية وأمنية وطبية وإغاثية، من مختلف الوزارات، مهمّتها سدّ الفراغ الحكومي، وإنهاء تداعيات الانقسام النقدي، وتوفير الخدمات العامة. وبعد نجاحها في إعادة الكهرباء والمياه والاتصالات، وتشغيل المرافق الصحية والتعليمية، تعمل سلطات صنعاء الآن على تنشيط الحركة الملاحية لميناء المخا الواقع على بعد 40 كيلومتراً غربي باب المندب، وتأمين عمل الصيادين الذين كانوا مُنعوا من ممارسة الصيد في العديد من المناطق البحرية، وتعرّضوا لمضايقات كثيرة على أيدي الفصائل التابعة للسعودية والإمارات، والتي استثمرت الثروة السمكية لصالح شركات مصرية وأخرى إماراتية. وفي الوقت نفسه، تعمل قوات خفر السواحل التابعة لـ«أنصار الله» على حماية الانتشار في مضيق باب المندب، وفرض رقابة بحرية واسعة في نطاق سيطرتها، وذلك خشية قيام أطراف معادية باستهداف السفن أو تعريضها للقرصنة.
ويؤكد مصدر مسؤول في «مؤسسة موانئ البحر الأحمر»، لـ«الأخبار»، أن المؤسسة التي تدير موانئ الصليف ورأس عيسى والحديدة، تمكّنت من إعادة ميناء المخا إلى الخدمة، وبدأت في استقبال السفن التي تدفّقت إليه. ويشير المصدر إلى أن صنعاء أقرّت منح التجّار المستوردين حوافز مغرية تمثّلت في تخفيض نسبته 50% من الرسوم الضريبية والجمركية ورسوم الخدمات والمناولة. ووفق المصدر، فإن إعلان هذه الحوافز عكس رغبة «أنصار الله» في إعادة الحركة الملاحية للميناء، التي تراجعت إلى أدنى مستوياتها نتيجة تحويل المرفق سابقاً إلى ثكنة عسكرية تستقبل شحنات الأسلحة بين فترة وأخرى.

استعادت قوات صنعاء السيطرة على 33 جزيرة مأهولة وغير مأهولة

ووفق العديد من الوثائق التي عثرت عليها قوات صنعاء في الميناء، فإن الإماراتيين، ومِن بَعدهم السعوديون، استحدثوا، خلال السنوات الماضية، غرف عمليات مُحصّنة في حرم المرفق الحيوي، ما أدّى إلى تراجع إيراداته الجمركية من 14 مليار ريال يمني عام 2022، إلى 4 مليارات ريال بسعر صرف عدن (1600 ريال للدولار) العام قبل الماضي. ويعود ذلك إلى إفراغ الميناء من دوره الملاحي، وتحويل سواحل ذوباب ورأس العارة الواقعة قرب مضيق باب المندب، إلى ممرّات آمنة للبضائع المُهرّبة والقادمة من دول القرن الأفريقي. وبالتزامن مع انتعاش ظاهرة التهريب من سواحل المخا وذوباب، تدهور وضع سكان تلك المدن إلى أدنى المستويات، وذلك نتيجة تراجع سعر صرف العملة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. ودفَع هذا الوضع بحكومة صنعاء إلى تقديم مساعدات غذائية وإيوائية إلى معظم السكان، بالتزامن مع إنهاء التداول بالعملة النقدية التابعة لحكومة عدن، وفرض التعامل بالعملة المتداولة في المحافظات الشمالية – التي لا تتجاوز 530 ريالاً للدولار -، وهو ما أدّى إلى ضبط الأسعار وتخفيضها بنسبة 60% عمّا كانت عليه قبل استعادة تلك المناطق.

وبحسب مصدر سياسي في صنعاء تحدّث إلى «الأخبار»، فإن الاهتمام الإماراتي – السعودي بالمخا وبعض المناطق الساحلية الواقعة شمال المدينة، كسواحل الخوخة ويختل، وكذلك سواحل ذوباب، كان متساوقاً مع مخطّط أميركي يهدف إلى تسليم المدينة والمناطق الساحلية لحلفاء واشنطن في اليمن. ووفق المعلومات، فإن الأميركيين كان لهم دور في إنشاء عدد من المطارات العسكرية، أبرزها مطار ذوباب المُشيّد على مساحة بلغت 230 كيلومتراً مربعاً، جنوبي معسكر العمري الاستراتيجي، على بعد نحو 10 كيلومترات من جزيرة ميون. ويُبيِّن المصدر نفسه أن الولايات المتحدة كانت ترمي إلى تحويل المعسكر إلى قاعدة عسكرية متقدّمة لقواتها تحت مبرّر حماية الملاحة في مضيق باب المندب، لافتاً إلى أن الإمارات أنشأت، خلال السنوات الماضية، غرف عمليات مُحصّنة هناك. إلّا أنه بعد فشل العميد طارق صالح، الذي فرض نفسه حاكماً على المخا منذ أواخر عام 2019، في انتزاع عدد من المديريات المطلّة على باب المندب، والواقعة في الإطار الجغرافي لمحافظتَي لحج وتعز وضمّها إلى الإقليم الجديد – من جرّاء الرفض الشعبي -، تمّ تأجيل تنفيذ المخطّط، مع استمرار حلفاء واشنطن في تهيئة المخا والمدن الساحلية لتكون إقليماً مستقلاً ضمن دولة اتحادية تلبّي تطلّعات واشنطن في تشديد قبضتها على أحد أهمّ المضائق المائية في المنطقة.

ويقدّر مصدر اقتصادي مقرّب من حكومة عدن، الأصول الاقتصادية التي تمّت السيطرة عليها من قبل قوات صنعاء، بأكثر من 500 مليون دولار، من بينها مطار دولي تجاوزت كلفة إنشائه 65 مليون دولار في سواحل المخا، ومطاران عسكريان في ذوباب والمخا، وطرقات عامة بقيمة تقديرية بلغت 50 مليون دولار، ومحطّة طاقة شمسية بقدرة 60 ميغاوات بقيمة 60 مليون دولار، ومشاريع مياه بقيمة تتجاوز 10 ملايين دولار، ومستشفيات عامة ومَدينة طبية بأكثر من 100 مليون دولار. ومن بين تلك المرافق الصحية «مستشفى الثاني من سبتمبر»، و«المستشفى السعودي الميداني»، و«مستشفى الشيخ محمد بن زايد»، و«مستشفى المخا العام»، ومرافق صحية أخرى، إضافة إلى عدد من المدارس التي جرى ترميمها بقيمة مليونَي دولار، ومحجر صحي بنحو 5 ملايين دولار، ومدن سكنية وقرى حديثة بنحو 30 مليون دولار، ومشاريع لشبكات طرق داخلية، ومرافق عامة، ومشروعات ثروة سمكية، بعشرات ملايين الدولارات. ومنذ سيطرة قوات صنعاء على الساحل الغربي، يتعرّض بعض الأصول المدنية للاستهداف من قِبل السعودية، التي شنّ طيرانها، خلال الأيام القليلة الماضية، سلسلة واسعة من الهجمات الجوية، طاولت مطار المخا وجسوراً استراتيجية في مديرية الوازعية، ومبانيَ حكومية، ومدارس عامة.
أمّا المكاسب الجيو-اقتصادية التي حقّقتها صنعاء، فتشمل استعادة السيطرة على 33 جزيرة مأهولة وغير مأهولة، تمتدّ من ميون وحتى أرخبيل حنيش القريب من المياه الإقليمية لإريتريا في البحر الأحمر، وهو ما يمنح «أنصار الله» سيطرة مباشرة على الممرّ الدولي وخطوط الملاحة الدولية، بعدما كانت هذه السيطرة غير مباشرة. وتضاف إلى ما تَقدّم، العديد من الفرص الاقتصادية التي يمكن صنعاء استثمارها، وأبرزها توظيف التيّار المائي البحري الكبير في مضيق باب المندب لتوليد نحو 5000 ميغاوات من الطاقة، وإنشاء موانئ خدمية للسفن، وتحويل سواحل ذوباب إلى منطقة حرة ومركز لوجستي، وإحياء مشاريع استراتيجية كمشروع جسر النور الذي يربط بين اليمن ودول القرن الأفريقي، إضافة إلى إعادة اليمن إلى «طريق الحرير».

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى