صعود اليمين المتطرف في أوروبا ليس سوى البداية… والقادم أسوأ

ما حدث في ألمانيا كان إنذاراً باكراً والآن ستختبر سلسلة انتخابات في أنحاء أوروبا قدرة الأحزاب القومية والشعبوية على تحويل تأييدها المتنامي إلى نفوذ سياسي دائم وما يحمله ذلك من مكاسب لروسيا
جون كامبفنر – اندبندنت عربية:
تدخل أوروبا عاماً انتخابياً حاسماً في ظل تمدد أحزاب اليمين المتطرف وتراجع قوى الوسط، فيما تكشف التطورات في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبولندا تحولاً متسارعاً في المشهد السياسي للقارة. ولا يقتصر هذا الصعود على صناديق الاقتراع، بل يمتد إلى الهجرة والعلاقات مع روسيا وأوكرانيا ومستقبل الاتحاد الأوروبي، مع انتقال أفكار كانت هامشية إلى قلب النقاش السياسي.
الفوضى السياسية التي شهدتها ألمانيا أخيراً ليست سوى بداية المعركة المقبلة التي تواجه الديمقراطية الليبرالية في أوروبا، فالقارة المثخنة بالأزمات، مقبلة على 12 شهراً حافلة، ستشهد خلالها انتخابات رئاسية وبرلمانية في فنلندا وفرنسا واليونان وإيطاليا وبولندا وسلوفاكيا وإسبانيا. وليس هذا العدد استثنائياً في اتحاد أوروبي يضم 27 دولة، لكن أهمية هذه الاستحقاقات تكمن في أنها تشمل معظم الدول ذات الثقل في القارة، وفي توقيت تواجه فيه أوروبا اضطرابات داخلية، وتهديدات من روسيا والولايات المتحدة.
في خلفية هذه الانتخابات، تتقاطع اتجاهات سياسية عدة، فأحزاب “اليمين المتطرف” مرشحة لتحقيق نتائج قوية في مختلف أنحاء القارة، فيما يتآكل الطيف التقليدي الممتد من “يسار الوسط” إلى “يمين الوسط”، في ظل عجز الحكومات التقليدية عن مواجهة الواقع السياسي الجديد بإصلاحات جذرية، وفي الوقت نفسه تتجه نسب المشاركة الانتخابية عموماً إلى الارتفاع. وقد أظهر حزب “البديل من أجل ألمانيا” أحد أوجه هذا التحول، إذ ساعده انزياحه أكثر نحو التطرف في استقطاب شريحة جديدة من الناخبين الذين كانوا قد فقدوا منذ زمن ثقتهم بصناديق الاقتراع.
لكن ذلك لا يعني أن الانتخابات المقبلة ستسير كلها في اتجاه واحد، أو أن الشعبويين، ومعظمهم وإن لم يكن جميعهم من اليمين، سيصلون إلى السلطة في كل مكان، ففي بعض الدول قد لا يتمكنون حتى من المشاركة فيها، لكن نفوذ هذه القوى يتجاوز نتائج الانتخابات، إذ باتت، بدعم من متصيدين على وسائل التواصل الاجتماعي يحركهم الكرملين، ومن حركة “ماغا” التابعة لدونالد ترمب، تفرض مسار النقاش السياسي وحدوده.
وفي ألمانيا، يبدو أن المستشار فريدريش ميرتس تجاوز العاصفة المباشرة، على رغم تعرض حزبه “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” لثلاث هزائم موجعة. أما “البديل من أجل ألمانيا”، الذي يتموضع عند الطرف الأكثر تطرفاً من المشهد اليميني، ويتبنى سياسات تشمل منع الأطفال الذين لا يتمتعون بإقامة دائمة من الالتحاق بالمدارس العادية، وتسيير دوريات للمواطنين، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع روسيا، فيواصل صعوده. في المقابل، يستعد حزب “اليسار” لتولي إدارة العاصمة برلين، لكن غياب أي انتخابات إقليمية جديدة خلال الأشهر الستة المقبلة، يمنح ميرتس بعض الوقت، ويتيح لائتلافه مع الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” محاولة تنفيذ إصلاحات ملموسة، وإعادة تحريك عجلة النمو.
لذلك تتجه الأنظار الآن إلى مكان آخر، ولا سيما إلى فرنسا، الشريك الآخر في قلب المحرك الأوروبي، فخلال جولتين من التصويت في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، سيتضح ما إذا كانت مارين لوبان ستنجح أخيراً في بلوغ هدفها والوصول إلى الرئاسة. ولا يزال الطريق طويلاً، إذ يشير علماء السياسة إلى أن استطلاعات الرأي لا تبدأ، وفقاً للدورات الانتخابية المعتادة، في إعطاء مؤشر أكثر دقة إلى اتجاه السباق، إلا مع بداية العام الجديد.
لكن لوبان وحزبها “التجمع الوطني” يدخلان المرحلة المقبلة بزخم واضح، إذ تظهر الاستطلاعات تقدمهما في نيات التصويت للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بينما لا تزال أحزاب الوسط عاجزة عن الاتفاق على مرشح، واحد قادر على المنافسة. وإذا استمر تشتت هذا المعسكر، فقد يفتح ذلك الطريق أمام زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون لانتزاع مكان في الجولة الثانية.
وإذا وصلت لوبان بالفعل إلى الرئاسة، فثمة رؤيتان متعارضتان لما قد يلي ذلك. ترى الأولى أن فوزها سيجعل كل الاحتمالات مفتوحة، وقد يوجه ضربة بالغة إلى تماسك “حلف شمال الأطلسي” (ناتو) والاتحاد الأوروبي، ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتجربة فيكتور أوربان في المجر، وهي دولة لا يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة، ومع ذلك تمكن مراراً من عرقلة دعم الـ “ناتو” المتزايد لأوكرانيا أو التحفظ عليه، مما صعّب على الحلف إظهار موقف موحد تجاه روسيا.
أما الرؤية الثانية فتفترض أن لوبان ستواصل مسارها الرامي إلى “نزع صفة الشيطنة” عن حزبها، فتتخلى عن الدعوة إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي، وتبتعد أكثر من الكرملين، مقتدية برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. لكن أي ميلوني تحديداً؟ فالانتخابات الإيطالية ستجرى لاحقاً، في موعد أقصاه نهاية عام 2027، ومع ذلك تواجه ميلوني منذ الآن ضغوطاً من حزب أكثر تطرفاً منها يميناً، فحزب “المستقبل الوطني” الذي أُطلق حديثاً بقيادة الجنرال روبرتو فاناتشي، يجمع التأييد بسرعة ويستقطب منشقين عن الائتلاف الحاكم، وتشير استطلاعات الرأي إلى حصوله على نحو ثمانية في المئة، مما يجعله بالفعل رابع أكبر قوة سياسية في إيطاليا.
يمثل سانشيز في إسبانيا حالة مختلفة تماماً… إذ يسير في الاتجاه المعاكس، متعمداً تحدي ترمب والترويج للهجرة
وكان فاناتشي قد لفت الأنظار للمرة الأولى من خلال كتابه “العالم رأساً على عقب”، الذي وصفه منتقدون بأنه عنصري ومعادٍ للمثليين وكاره للنساء، لكنه تحول مع ذلك إلى أحد الكتب الأكثر مبيعاً. ويطرح برنامجه ما يسمى “إعادة الهجرة”، أي الإعادة القسرية للمهاجرين لبلدانهم، وهي فكرة كان حزب “البديل من أجل ألمانيا” من أوائل من روجوا لها، إضافة إلى فرض سقف على أعداد المقيمين الأجانب، والسماح لمن يبلغون 14 سنة بدخول سوق العمل، ودفع رواتب للأمهات المتفرغات لرعاية أسرهن. وكذلك فإن مسيرته العسكرية تعزز حضوره في قضايا الوطنية والهوية، فقد خدم في أفغانستان والعراق والبوسنة، وعمل ملحقاً عسكرياً في موسكو، ويقول أنصاره إن خطابه يقدم “وضوحاً” أيديولوجياً تخلت عنه ميلوني.
وأمام هذا الضغط، بدأت ميلوني بدورها في الاقتراب من بعض مواقفه، فإضافة إلى قيادتها حملة أوروبية للتنديد برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على خلفية ما وصفته بـ “غزو” المهاجرين لجيب سبتة الإسباني داخل المغرب، تتعهد الآن بحظر البرقع والنقاب في المدارس، والحد من أعداد الطلاب الأجانب في الفصول الدراسية، وأيضاً تتلقى نصائح بأن تعرض على فاناتشي مكاناً في ائتلاف حكومي مستقبلي.
الجنرال روبرتو فاناتشي، أحد رموز اليمين المتطرف، يتحدى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي تنتمي هي الأخرى إلى اليمين (رويترز)
لكن الصورة تختلف تماماً عند الانتقال إلى إسبانيا، فحكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية غارقة في اتهامات بفضائح وتتعرض لضغط متواصل من اليمين، ومع ذلك اختار رئيس الوزراء السير في الاتجاه المعاكس، متعمداً تحدي ترمب ومتبنياً موقفاً مؤيداً للهجرة.
وعززت سلسلة من المواقف مكانة سانشيز، بوصفه شخصية رمزية لدى الاشتراكيين الأوروبيين، من قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عام 2024، على خلفية اعتراف إسبانيا بفلسطين، إلى خلافه مع ترمب في شأن أهداف الإنفاق الدفاعي في الـ “ناتو”، وصولاً إلى منع استخدام القواعد الجوية الإسبانية لشن هجمات أميركية على إيران، في وقت سابق من هذا العام.
ومع ذلك، أسفرت أربعة انتخابات إقليمية أخيرة عن نتائج سيئة لحزبه، حتى في معاقله السابقة في الأندلس وإكستريمادورا. وفي المقابل، حقق حزب “الشعب” المحافظ نتائج جيدة نسبياً، فيما أصبح حزب “فوكس” اليميني المتطرف القوة التي قد تحسم تشكيل الحكومة. ويضاف إلى هذه الضغوط احتمال محاكمة بيغونيا غوميز، زوجة سانشيز، خلال الأشهر المقبلة بتهم فساد، وهي تنفي ارتكاب أية مخالفة، فيما يصر رئيس الوزراء على أنها ضحية توظيف القانون لأغراض سياسية. ومع ذلك فهي ليست الوحيدة التي قد تجد نفسها أمام القضاء.
أظهرت دراسة أجريت عام 2025 أن 41 في المئة من المشاركين في 10 دول أوروبية وافقوا على القول إن هناك مجموعة من الأشخاص “تحاول استبدال السكان المولودين في البلاد بالمهاجرين”
ويتعين إجراء الانتخابات الإسبانية بحلول أغسطس (آب) المقبل، ومع أن حزب “العمال الاشتراكي” بزعامة سانشيز لا يزال منافساً لا يمكن استبعاده، فإن اليمين هو الذي يفرض إيقاع السباق في الوقت الراهن. كان سانشيز قد تمكن في الانتخابات السابقة من البقاء في السلطة بعد إبرام اتفاقات هشة مع تحالف “سومار” اليساري، وأحزاب انفصالية باسكية وكتالونية، لكن تلك التحالفات توترت منذ ذلك الحين، ويزيد المشهد تعقيداً استطلاع حديث يمنح حزب “التحالف الكتالوني” الانفصالي اليميني المتطرف أكثر من 15 في المئة من الأصوات.
وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة الإيبيرية، بتمكنت البرتغال حتى الآن من مقاومة موجة صعود اليمين المتطرف، فخلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في وقت سابق من هذا العام، حقق أنطونيو جوزيه سيغورو، مرشح “يسار الوسط”، فوزاً مريحاً على مرشح حزب “شيغا” اليميني المتطرف، الذي يعني اسمه “كفى”. لكن، في مشهد يعيد إلى الأذهان المنافسة بين ميلوني وفاناتشي، وكذلك التحدي الذي يواجهه حزب “ريفورم” من حركة “ريستور” الجديدة المحببة إلى أوساط “ماغا”، يجد “شيغا” نفسه مهدداً الآن بقوة صاعدة أكثر تطرفاً منه. فقد تجاوز تأييد حركة “ريكونكيستا” خمسة في المئة بالفعل، على رغم أنها لم تُسجل رسمياً كحزب حتى الآن.
وتتمحور حملة الحركة حول ما تسميه “نظرية الاستبدال السكاني”، إضافة إلى الدعوة إلى إعادة المهاجرين لبلدانهم. وعدّ زعيمها أفونسو غونسالفيس نتائج ألمانيا “دليلاً على أن السياسات القومية والهوياتية هي بالضبط نوع السياسات التي نحتاج إليها للفوز بالانتخابات، وإنقاذ بلداننا”. هذا الخطاب لا يقتصر على الساحة البرتغالية، إذ يكاد يكرر حرفياً لغة إستراتيجية الأمن القومي الأميركية التي نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتحدثت عن دعم الحركات “الوطنية” في مساعيها إلى منع ما وصفته بـ “المحو الحضاري”.
وهكذا، فإن فكرة كانت حتى وقت قريب، محصورة في هامش اليمين المتطرف، ومفادها أن الهجرة تمثل محاولة متعمدة لـ “استبدال” السكان الأصليين، أصبحت اليوم جزءاً من الخطاب السياسي السائد. وأظهرت دراسة أجريت عام 2025 في 10 دول أوروبية، أن 41 في المئة من المشاركين أيدوا فكرة وجود مجموعة تسعى إلى “استبدال السكان الأصليين بالمهاجرين”، فيما قال 17.5 في المئة إنهم يؤيدونها بشدة.
أما بولندا، فتشكل المحطة الأخيرة وربما الأكثر حساسية في هذا المشهد، إذ ستكون الانتخابات البرلمانية المقررة في الخريف المقبل بالغة الأهمية، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا وأوكرانيا. ومنذ أواخر عام 2023، باتت السلطة في بولندا موزعة بين قطبين سياسيين متنافسين، أحدهما يمثله المحافظ الوسطي دونالد توسك، والآخر الرئيس اليميني المتطرف كارول ناوروكي، وعلى غرار دول أوروبية كثيرة، تبدو البلاد منقسمة بحدة بين المعسكرين.
غير أن الحسابات الانتخابية المعقدة توحي بأن أحزاب اليمين واليمين المتطرف قد تكون أقدر على التكتل من قوى الوسط، مما قد يمهد لعودة حزب “القانون والعدالة”. ومن شأن ذلك أن يمنح اليمين المتطرف هيمنة واسعة، ويفتح الباب، ليس فقط أمام عودة التحايل على القواعد الدستورية، وتبني سياسات قومية محافظة، بل أيضاً أمام إنهاء ما بقي من التعاون مع أوكرانيا.
ولن تبقى تداعيات ما يحدث في بولندا داخل حدودها، إذ من المرجح أن يمتد أثرها إلى بقية دول وسط أوروبا وشرقها. فعندما كان أوربان يقود المجر، كان يستطيع الاعتماد على روبرت فيكو في سلوفاكيا لمشاركته تحدي التوجه الأوروبي والتقارب مع موسكو، ومنذ ذلك الحين، خفت حضور فيكو، لكن من المرجح أن يعود هو ورئيس الوزراء التشيكي المنتخب حديثاً أندريه بابيش إلى تشديد مواقفهما القومية المتطرفة.
المفارقة أن عدداً من علماء السياسة كانوا، قبل شهور قليلة فقط، يتساءلون عما إذا كانت الإطاحة اللافتة بأوربان تعني أن موجة اليمين المتطرف بدأت أخيراً تفقد زخمها.




