اقتصاد ومال

صدام حفتر وأردوغان

الحبيب الأسود – العرب:

تركيا تراهن على تطوير علاقاتها مع القيادة العامة، والدور المحوري لنائب القائد العام ومسؤولياته السيادية القادمة لإخراج البلاد من مربع الأزمة.

لم يكن ظهور الفريق صدام إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مشاركته في حفل اختتام معرض “ساها 2026” الدولي لصناعات الدفاع والطيران والفضاء بإسطنبول مجرد صورة بروتوكولية عابرة، كما يريد البعض أن يسوّق، بل حمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، وأثبت للمحللين والمراقبين أن القيادة التركية التي تراقب عن قرب الأوضاع في ليبيا باتت تراهن على تطوير علاقاتها مع القيادة العامة للقوات المسلحة، وعلى الدور المحوري لنائب القائد العام، وما يمكن أن يتولاه خلال المرحلة القادمة من مسؤوليات سيادية سيكون لها أثر عميق على إخراج البلاد من مربع الأزمة إلى آفاق الانفراج.

تدرك تركيا جيداً أن شرق ووسط وجنوب ليبيا، وجميعها تخضع لنفوذ “الرجمة”، تمثل بالنسبة إليها أهمية قصوى من النواحي الاستراتيجية والجيوسياسية، في صلة بالوضع في شرق المتوسط وفي منطقة الساحل والصحراء، وهو ما تفتقده سلطات طرابلس في وضعها الحالي المنكمش بمناطق الساحل الغربي. ولذلك، فإن أنقرة التي كانت دائماً حليفاً موثوقاً للسلطة المعترف بها دولياً، ووقفت معها في مواجهة الجيش الوطني في حرب 2019 – 2020، أدركت أن مصالحها الحقيقية لن تتحقق في الداخل الليبي وامتداداته إلا بالنظر إليه من زاوية مختلفة، من أبرز معطياتها انهيار منظومة الإسلام السياسي، وضعف منظومة الحكم في المنطقة الغربية، وسيطرة الجيش على منابع الثروة والجانب الأكبر من الحدود البرية والبحرية، وقدرة القيادة العامة على بسط الأمن والاستقرار وتوفير شروط الدولة بما في ذلك فرض القانون واحتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية في مناطق نفوذها.

ظهور صدام حفتر بجانب أردوغان في إسطنبول كشف تحولات استراتيجية حيث تراهن أنقرة على دور القيادة العامة في ليبيا لتأمين مصالحها الإقليمية والدولية

وإذا كان شرق المتوسط يشهد جملة من التحولات الجيوسياسية، بما في ذلك تكريس التحالف بين اليونان وقبرص وإسرائيل، فإن تركيا تسعى إلى توطيد علاقاتها مع مصر، وتقوم بجهود واضحة لإقناع القاهرة ودمشق بتجاوز مرحلة الجفاء والبدء الفعلي في تطبيع العلاقات بينهما، كما تعمل بقوة على رفع نسق التعاون والتشاور والتنسيق مع بنغازي، وعلى كسب ثقة الشريك الأصلي هناك، وهو القيادة العامة للقوات المسلحة، وشخصية الفريق صدام حفتر ليس فقط كنائب لوالده المشير، وإنما كممثل شخصي له، وكحامل لمشروعه ومعبّر عن مواقفه، وهو ما يتميز به بين نظرائه من جيل القيادات الصاعدة.

أواخر أبريل الماضي، كانت للفريق صدام زيارة نادرة إلى فاليتا التقى خلالها كبار المسؤولين المالطيين في محادثات تناولت ملفات التعاون الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى الجهود المشتركة للحد من الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب، وتطوير برامج تدريبية تخصصية لرفع كفاءة خفر السواحل الليبية لتأمين الحدود البحرية، وبحثت سبل توسيع آفاق التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والتعليمية بما يخدم المصالح المتبادلة للدولتين الصديقتين.

وقد لفتت تلك الزيارة انتباه المراقبين، نظراً لأن مالطا التي عادة ما تعكس مواقف الغرب الأوروبي والأميركي، كانت دائماً تمتاز بقربها من طرابلس وبتبنيها وجهات نظر سلطات المنطقة الغربية، لكن الظروف الميدانية في داخل ليبيا والمستجدات الإقليمية والدولية أدت إلى تغيير وجهة النظر المالطية وجعلتها تميل إلى الإشادة بدور القيادة العامة في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، وعلى الأثر الإيجابي لتلك الجهود على أمن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

زيارات صدام الخارجية من مالطا إلى بنغازي أبرزت صعوده كمرشح سيادي محتمل فيما تتقاطع رهانات تركيا وأميركا على مستقبل ليبيا واستقرار المتوسط

إلى ذلك، فإن مالطا المطلعة على كواليس السياسة الدولية، وعلى ما يتم التنسيق له بخصوص الملف الليبي، تدرك جيداً موقع الفريق صدام من الخارطة السياسية لمستقبل بلاده، وهو المرشح بقوة لرئاسة المجلس الرئاسي للفترة القادمة ضمن سياقات الخطة الأميركية التي يشرف عليها ويديرها مبعوث الرئيس ترامب لشؤون المنطقة العربية وأفريقيا مسعد بولس بدعم إقليمي ودولي، والتي تنص في مرحلتها الأولى على توحيد السلطات بعد توحيد المصرف المركزي وموازنة الدولة والسير في اتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.

عندما زرت بنغازي في يناير الماضي، اتضحت لي الصورة جيداً: مناطق نفوذ الجيش تعرف أفضل حالاتها بخصوص الأمن والاستقرار الذي يتجاوز دولاً أخرى لم تعرف الحروب ولم تواجه الإرهاب، والفريق صدام يحظى بثقة وحب الناس ممن يرون فيه امتداداً أصيلاً لوالده، وممن يضعون على عاتقه أمانة تأمين المستقبل وتحصين ودعم رصيد ثورة الكرامة، والخروج بالبلاد من مرحلة الانقسام والتشظي إلى عهد جديد هو عهد الوحدة والبناء والتحديث الذي بات يلوح في الأفق. ولا شك أن الرئيس أردوغان يستشرفه بخبرته السياسية، وكذلك بالملفات الاستخبارية التي تصل إلى مكتبه كل صباح.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى