
علي حيدر – الأخبار:
لم يعُد من الممكن اختزال الجولة الحالية من المفاوضات بين طهران وواشنطن بالملف النووي، في ظلّ ما يبدو أنه صراع ضمني على إعادة تعريف قواعد الأمن الإقليمي بعد الحرب. ويجعل ذلك مستقبل مذكّرة التفاهم الموقَّعة بينهما، رهن قدرتهما على بناء بيئة أكثر استقراراً.
بات واضحاً أن مذكرة التفاهم التي تم التوصّل إليها أخيراً بين الولايات المتحدة وإيران، ليست مجرّد مدخل لاستئناف المفاوضات النووية؛ إذ إنه بعد مرور أسبوعَين على دخول المذكّرة حيّز التنفيذ، لم تنتقل المباحثات إلى القضايا التقنية المرتبطة بالبرنامج النووي كما كان متوقّعاً، بل عادت الأطراف إلى مناقشة مسائل كان يُفترض أنها حُسمت لحظة التوقيع، وفي مقدّمها إدارة مضيق هرمز، ووقف الحرب في لبنان (بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه)، وآليات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة.
هكذا، يبدو أن المذكرة فشلت في تشكيل قاعدة يمكن أن تنطلق منها المفاوضات، لتصبح، هي نفسها، مادّة لعملية التفاوض، أو أقرب إلى إطار لإدارة «مرحلة انتقالية» منها إلى تسوية سياسية بالمعنى التقليدي. إذ هي نجحت فعلاً في إيقاف المواجهة العسكرية المباشرة، إنما لم تستطع أن تنتج توافقاً على أسباب الصراع ولا على شكل النظام الأمني الذي من المفترض أن يلي الحرب. وبالتالي، فإن توقف العمليات العسكرية لا يعني انتهاء المواجهة، وإنما انتقالها إلى مستوى آخر تُستخدم فيه أدوات مغايرة، من الردع العسكري وإعادة بناء القوة، مروراً بالضغوط الاقتصادية والرسائل الأمنية، وليس انتهاءً بالألاعيب التفاوضية.
وعليه، لم يعُد مجدياً التركيز على مدى نجاح المفاوضات أو فشلها، بقدر ما يجدر الاهتمام بما تسعى الأطراف إلى إنجازه خلال مدة التفاوض نفسها. إذ يبدو أن القوى الرئيسة المعنيّة تسعى إلى إعادة ترتيب بيئاتها الاستراتيجية، وتحسين مواقعها استعداداً لمرحلة ما بعد المواجهة، سواء أكانت تلك المرحلة ستشهد تسوية أكثر استقراراً، أم جولة جديدة من التصعيد.
فالولايات المتحدة تَظهر معنيّة بالحفاظ على مستوى من التهدئة يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة جديدة، لكنها حريصة على الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي فاعلة، واستخدام الوقت لاختبار حدود المرونة الإيرانية وإمكانية إنتاج تفاهمات أوسع. وأمّا إيران، فتنظر إلى المرحلة الانتقالية باعتبارها فرصة لتخفيف آثار الحرب والعقوبات، وإعادة تنظيم أولوياتها الداخلية والخارجية، وربط الملفّ النووي بمجمل البيئة الأمنية المحيطة به، بما يمنع التعامل معه باعتباره ملفاً تقنياً منفصلاً عن التوازنات الإقليمية. ومن جهتها، تتعامل إسرائيل مع هذه المرحلة بحذر أكبر، وذلك بناءً على تقديرات بأن أي مدة تفاوض لا تقترن بقيود عملية وقابلة للتحقّق على القدرات الإيرانية، قد تمنح طهران فرصة لإعادة بناء عناصر قوتها.
تبدو المذكرة أقرب إلى إطار لإدارة «مرحلة انتقالية» منها إلى تسوية سياسية بالمعنى التقليدي
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إن الوقت تحوّل إلى أحد العوامل المؤثرة في العملية التفاوضية، في ظلّ سعى كلّ طرف لاستثمار المدة الانتقالية بطريقة مختلفة. إذ تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغوط قد يدفع إيران إلى تقديم تنازلات، فيما تعوّل الأخيرة على أن مرور الوقت يسمح لها بتحسين موقعها التفاوضي وإعادة ترميم قدراتها، وتعتقد إسرائيل، من جهتها، أن الزمن قد يتحول إلى عامل يصبّ في مصلحة خصمها. وبنتيجةٍ من تلك الحسابات المتعاكسة، لم تعُد الملفات المطروحة على جدول الأعمال منفصلة بعضها عن بعض؛ إذ إن البرنامج النووي، وأمن مضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، والحرب في لبنان، والعلاقة الأميركية – الإسرائيلية، باتت جميعها تشكّل حلقات في منظومة استراتيجية واحدة، وأصبح التقدّم أو التعثّر في أحدها ينعكس مباشرة على بقية الملفات. وذلك ما يفسّر عودة القضايا الإقليمية إلى صدارة النقاش منذ الأسابيع الأولى التي أعقبت التوقيع على المذكرة، في وقت كانت فيه التوقعات تشير إلى أن المفاوضات ستركّز، في مرحلتها الأولى، على الملف النووي.
ومن هنا، يكتسب لبنان أهمية تتجاوز موقعه التقليدي، بعدما أصبح إحدى الساحات المؤثرة -وليس فقط المتأثرة- في المشهد الإقليمي وآفاق الصراع مع الجمهورية الإسلامية، وباتت التطورات الميدانية والسياسية فيه بمثابة اختبار لمدى قابلية المرحلة الانتقالية لإنتاج قواعد اشتباك جديدة. وفي هذا الإطار، يمكن لتحقّق الترتيبات المنصوص عليها في مذكرة التفاهم بخصوص لبنان، أن يسهم في تعزيز البيئة السياسية اللازمة لاستمرار المسار التفاوضي. أمّا في حال فشِل إرساءُ هذه الترتيبات أو تجدّدت العمليات العسكرية، فإن الساحة اللبنانية قد تتحوّل مجدداً إلى نقطة تقاطع بين الملفات النووية والإقليمية، وتسهم في تجدّد التصعيد وتقويض الأساس الذي قامت عليه المذكّرة. وينسحب الواقع نفسه على مستقبل مضيق هرمز، الذي تدور خلافات بين واشنطن وطهران حول إدارته والسيطرة عليه، «وبدل الخدمات» الذي تطالب به إيران لقاء المرور منه.
إزاء ما تقدّم، يمكن القول إن أيّ سيناريو ستحمله المرحلة المقبلة لن يكون نتاجاً مباشراً لنجاح المفاوضات أو فشلها، وإنما لمدى تمكّن الأطراف المعنيّة من إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بعد الحرب. ففي حال استمرّ الجمود التفاوضي، فسيعني ذلك أن إدارة المرحلة الانتقالية لا تزال تحقق الحدّ الأدنى من مصالح أطرافها، في حين ستعكس التفاهمات الجزئية قدرة محدودة على تنظيم بعض عناصر البيئة الجديدة من دون إعادة بنائها بصورة شاملة. وأمّا انهيار التفاهمات المؤقتة، فسيفتح الباب أمام عودة المنطقة إلى مرحلة إدارة الصراع عبر أدوات الردع والمواجهة المباشرة.




