رأي

سورية والجروح الفرنسية من المحال تقويم المقثاة

صقر أبو فخر – العربي الجديد:

زار الأمير عبد الله بن عبد العزيز (الملك في ما بعد) في يونيو/ حزيران 1997 دمشق، ورغب في التعريج على منزل عديله رفعت الأسد في منطقة المزّة؛ فالاثنان متزوّجان من شقيقتَين من آل بركات الدمشقيين. ولمّا لم يعجب حافظ الأسد هذا المسلك، أمر بقطع الكهرباء عن المنزل تعبيراً عن استيائه وتذمّره. وفي 6 يوليو/ تمّوز 2026 زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق، واصطحبه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى جامع بني أمية الكبير في قلب مدينة دمشق التي كانت دائماً عاصمة سورية التاريخية الآرامية ثمّ العربية. وفي ذلك الجامع المهيب، تخفّف الرئيسان من ثيابهما الرسمية، ونزعا سترتيهما وهما ينظران إلى ضريح يوحنا المعمدان، وإلى جرن المعمودية الجاثم في المكان مثل صخرة بازلتية من حوران القديمة. ولي أن أتخيّل أنّ أحد الدمشقيين العارفين بتاريخ هذه المدينة الدهرية راح يشرح لماكرون أنّ الجامع الأموي بُني في المكان الذي كان يقوم فيه معبد إله الخصب الآرامي “حدد” الذي شُيّد في مكانه معبد لكبير آلهة الرومان “جوبتير”، ثمّ أصبح كنيسة يوحنا المعمدان قبل أن يزيد عليها الوليد بن عبد الملك القسم العربي في شمال الكنيسة الجميلة ذات البوابة المشجّرة. ولي أن أتمنّى أيضاً لو أنّ الرئيس الشرع اصطحبه إلى موقع ميسلون على طريق بيروت، وأولم له هناك. وإن لم يستطع، لأسباب أمنية خصوصاً بعد التفجير القبيح (7 يوليو 2026)، فقد كان في إمكانه أن يسير به إلى بوابة الصالحية، أو إلى مبنى رئاسة الأركان، ويجعله يؤدّي التحيّة لتمثال يوسف العظمة بطل معركة ميسلون الخالدة، هذا إذا كان التمثال ما برح قائماً في مكانه.

تلاشت في ظلّ الحكومة العربية في دمشق العائلات التقليدية (أعيان العهد العثماني) إلى حدّ ما، وصعد إلى المواقع العليا في الإدارة الجديدة مثقّفون ومناضلون عرب من جميع الجنسيات والديانات


في تاريخنا الحديث ثمّة تجربة سياسية ونهضوية عظيمة ورائعة، لكنّها لم تعش طويلاً، فقد قضى عليها الاستعمار الفرنسي الكريه؛ إنّها تجربة الحكومة العربية في دمشق التي أقرّ المؤتمر السوري العام (6/3/1920) اختيار الأمير فيصل بن الحسين ملكاً دستورياً على سورية بحدودها الطبيعية داخلاً وساحلاً. وعلى غرار شخصيات المؤتمر السوري العام المؤلّف من سوريين ولبنانيين وأردنيين وفلسطينيين (وعراقيين بالتضامن) كان الملك فيصل حجازياً، ورئيس مجلس النواب مصرياً من أصول لبنانية هو رشيد رضا، وقائد الجيش عراقياً هو ياسين الهاشمي، ووزير الداخلية لبنانياً هو رضا الصلح، ووزير الخارجية فلسطينياً هو سعيد الحسيني. ولمع في تلك الحقبة القصيرة مسيحيون أمثال مدير العدلية إسكندر عمّون (من دير القمر)، ومدير المالية سعيد شقير (من الشويفات)، ومدير الأمن العام جبرائيل حدّاد (من طرابلس)، ومدير الخارجية توفيق شامية (من دمشق)، ومدير الصحّة سليم موصلّي (من عبيه). وكانت محكمة الاستئناف المدنية التي تطبّق أحكاماً مستمدَّةً من الشريعة الإسلامية مؤلّفة من نجيب الأميوني (مسيحي من حاصبيا)، وأسعد أبو شعر (مسيحي من دمشق) وفايز الخوري (مسيحي من بلدة الكفير وأصول عائلته تعود إلى قرية عين حليا السورية المسيحية).


لم تُختَبر الحكومة العربية في الميدان العملي إلا لفترة وجيزة حين وضعت دستور المملكة العربية السورية الذي لم نعثر فيه على أيّ نصّ يتعلّق بـ “دين الدولة”، بل على جملة وحيدة هي “دين الملك هو الإسلام”. وفي الأثر بادر الاستعمار الفرنسي إلى احتلال دمشق غداة معركة ميسلون (24/7/1920)، ثمّ عمد الكولونيل تولا، بكلّ عنجهية، إلى تسليم الملك فيصل كتاباً من الجنرال غورو يبلغه فيه ضرورة مغادرة دمشق في مهلة أقصاها 28/7/1920 بعدما تلكّأت حكومته في قبول الإنذار الفرنسي الذي أُرسل إلى الملك فيصل في 14/7/1920. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً راح الاستعمار الفرنسي يُنصّب أعوانه في المراكز المهمّة في سورية أعضاءً في اللجنة المركزية السورية التي كان يترأّسها شكري غانم، وتعتمد في تمويلها على الشركات الفرنسية التي لها مصالح جمّة في سورية. وكان “الكي دورسيه” (وزارة الخارجية الفرنسية) يشجّع هؤلاء على طلب الحماية الفرنسية ومنهم جورج سمنة صاحب كتاب La syrie” (1920)” وأحد الفاعلين في لجنة أصدقاء الشرق الفرنسية.
تلاشت في ظلّ الحكومة العربية في دمشق العائلات التقليدية (أعيان العهد العثماني) إلى حدّ ما، وصعد إلى المواقع العليا في الإدارة الجديدة مثقّفون ومناضلون عرب من جميع الجنسيات والديانات. وجراء ذلك راحت العائلات التقليدية تعارض الملك فيصل وتتّصل سرّاً وعلناً بالفرنسيين. وأدّى احتلال الجيش الفرنسي دمشق إلى تشرذم التيّار القومي العربي، وعودة العائلات المتعاونة مع الفرنسيين إلى واجهة السياسة مثل آل الإلشي والحسني واليوسف والدروبي وغيرهم. وخضعت سورية آنذاك لجراحة لئيمة على أيدي أجداد ماكرون بتقسيمها إلى أربع دول: دولة الدروز ودولة العلويين ودولة دمشق (سُنّة) ودولة حلب (سُنّة)، ودولة للأقليات المسيحية والكردية في الجزيرة (لم يُقيّض لها أن تولد فعلياً). وأدّى ذلك كلّه إلى ضياع كيليكيا ثمّ لواء الإسكندرون اللذَين منحتهما فرنسا لتركيا، وكأنّ هذه البلاد كانت من ممتلكات أجداد ماكرون السلتيين والغاليين الذين لم يعرفوا الاستحمام إلا نادراً، وبرعوا في صناعة العطور لإخفاء روائحهم الكريهة.


هل شرح له أحد “مثقّفي” السلطة الجديدة تاريخ الاستعمار الفرنسي لسورية، وما أنزله ذلك الاستعمار بالسوريين من قتل وقصف ودمار وإحراق؟ هل طالبه أحد “المؤرّخين الجدد” بالاعتذار إلى الشعب السوري الذي ما زال يعاني ما فعله أجداده الاستعماريون حين قسّموا سورية على أسس دينية ودنيئة؟ هل تجرّأ أحد من “عتاولة” السلطة المتغلّبة وقال لماكرون ما قاله بدوي الجبل لفرنسا، في نادي المثنّى في بغداد في سنة 1940، بعدما احتل الألمان فرنسا كلّها بسهولة ويسر: “يا سامرَ الحيّ هل تعنيكَ شكوانا/ رقَّ الحديدُ وما رقّوا لبلوانا/ سمعتُ باريس تشكو زهوَ فاتحها/ هلا تذكّرتِ يا باريس شكوانا/ عشرون عاماً شربنا الكأسَ مترعة/ من الأذى فذوقي كأسها الآنا”.
لنتذكّر فارس الخوري وما فعله بالفرنسيين في أثناء انعقاد مجلس الأمن سنة 1946 للنظر في طلب سورية إرغام فرنسا على الجلاء عن سورية. فقد جلس فارس الخوري في المقعد المخصّص لفرنسا، وعندما وصل المندوب الفرنسي فوجئ بجلوس المندوب السوري في مقعده، وطلب إليه مغادرة المكان. إلا أنّ فارس الخوري أشاح بناظريه عنه غير مكترثٍ به. فغضب المندوب الفرنسي ووجه حديثه بصوت مرتفع إلى فارس الخوري قائلاً له: ألم ترَ كلمة “France” أمام المقعد؟ هذا مكاني. أمّا مكانك فهناك أمام اللافتة المكتوب عليها “Syria”. ولما لم يستجب فارس الخوري لصراخ المندوب الفرنسي، توجّه هذا الأخير إلى رئيس مجلس الأمن شاكياً، وهنا نبّهه الرئيس إلى ضرورة مغادرة المقعد الفرنسي. وحينذاك، وقف فارس الخوري، وأعلن بفرنسية صافية، وبصوت مسموع: “عجيب أمر هؤلاء الفرنسيين، فهم لم يتحمّلوا جلوسي في مقعدهم خمس دقائق، فيما نتحمّل نحن منذ 25 سنةً وجودهم القسري في بلادنا. إنّهم يتشبّثون بالبقاء ونحن نطالبهم بالجلاء”. وقد كان لهذا الدرس الدبلوماسي شأن كبير في إقناع المندوبين الدوليين بحقّ سورية في الاستقلال.

ثمّة من يعمل في سورية ليلَ نهارَ، بدوافع دينية سلفية أو إثنية أو قبلية، على دفع الآخرين إلى الانكفاء عن الهُويّة الواحدة

ولا بدّ من تذكير مَن يجب أن يتذكّر بقصيدة أحمد شوقي المشهورة التي تقول بعض أبياتها: “سلام من صَبا بردى أرقّ/ ودمع لا يكفكف يا دمشقُ/ …/ دم الثوار تعرفه فرنسا/ وتعلم أنه نور وحقُّ/ …/ وللحرية الحمراء بابٌ/ بكل يد مضرّجة يُدقُّ/ …/وما كان الدروز قَبيلَ شَرّ/ وإن أُخِذوا بما لم يستحقوا”.


أمّا بعد، فقد أجرى أحد أساتذة الجامعات اختباراً على طلبة الفلسفة واللاهوت، وطلب منهم قائلاً: “ليصف كلّ واحد منكم الله”. وجاءت الأجوبة متخالفة ومتباعدة ومتناقضة، ومتعدّدة بعدد الطلاب أنفسهم تقريباً، أي إنّ مضمون الإجابات كان يشير إلى تعدّد الآلهة. وعند ذلك قال لهم الأستاذ: تعالوا إذًا لنجعل هذه الآلهة إلهاً واحداً. وفي سورية اليوم تخالفات وتناقضات وصراعات، إثنية وطائفية، تجعلها من دون هُويّة موحّدة، أو حتّى مشتركة. فلا سورية واحدة كما كانت في الماضي بعجرها وبجرها، بل صار لكلّ جماعة سوريتها، ولكلّ طائفة سوريتها، ولكلّ عشيرة سوريتها. وكلّ “سورية” من هذه “السوريات” تختلف عن “السورية” الأخرى، وتقف على نقيضها، وتتعارك معها أحياناً. ومع ذلك لم نجد “أستاذاً” يقول للسوريين: تعالوا لنجعل من هذه السوريات سورية واحدة، بل ثمّة من يعمل، ليلَ نهارَ، بدوافع دينية سلفية أو إثنية أو قبلية، على دفع الآخرين إلى الانكفاء عن الهُويّة الواحدة أو الانفصال عنها. والمأساة أنّ أحوال سورية الآن لم تكن على مثل هذا العياء في أيّ يوم من الأيّام. أمّا اليوم فقد بات من غير الممكن تجليس المقثاة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى