سوريا.. والاختيار السعودي الصائب
كتبت د. نورة صالح المجيم في صحيفة القبس.
سوريا ما بعد الأسد، بقيادة الشرع تتجه إلى مسار جديد جذري في على المستويين الداخلي والخارجي. والأول صراحة لم تتضح معالمه بعد، أما الآخر فقد اتضحت بعض معالمه. ويعد اختيار القيادة السورية الجديدة للسعودية لتكون أول محطة خارجية لها منذ توليها القيادة؛ خطوة غاية في الأهمية والدلالة للمسار الخارجي الجديد.
فللوهلة الأولى تعكس هذه الزيارة عن حزم القيادة الجديدة تعميق انخراطها العربي نظير قطعية تامة عن الانكفاء الإيراني. كما تعكس اهتمام القيادة الجديدة بإعادة بناء الدولة خاصة جلب المساعدات والاستثمارات الخارجية، وتوطيد شرعيتها الخارجية، وتأسيس نظام إسلامي معتدل.
وبالتالي، كانت السعودية الاختيار الصائب من قبل القيادة الجديدة. فالسعودية الجديدة بقيادة الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان؛ أمست ينظر لها كقوى دولية صاعدة، تمتلك حضوراً اقتصادياً عالمياً طاغياً، تنتهج نظاماً إسلامياً معتدلاً منفتحاً، تتصدر المؤشرات الدولية للقوة الناعمة، وسيطاً دولياً نزيهاً، وهو ما تجلى في اختيارها وسيطاً لإنهاء الحرب الأوكرانية، شريكاً عالمياً خاصة للولايات المتحدة في محاربة التطرف والإرهاب، وشريكاً استراتيجياً رئيسياً للقوى الصاعدة وعلى رأسها الهند، والصين، وروسيا.
ومن ثم، أصبحت القيادة السورية الجديدة تعول على السعودية للمساهمة في جلب الاستثمارات الخارجية ومنها السعودية لإعادة الإعمار، وأن تكون حلقة وصل رئيسية مع القوى الغربية والدولية عموما، ودعم النظام الإسلامي المعتدل التعددي الذى تزعم القيادة الجديدة ترسيخه في سوريا.
وهذا الأمر بدوره، سيمنح السعودية دفعة قوية لتكريس نفوذها الطبيعي في سوريا، والذي هو مهم لدعم نفوذ السعودية إقليمياً ودولياً. فالدور القوي للرياض في سوريا، سيؤدي بلا شك إلى تقويض نفوذ إيران هناك، ووكلائها في المنطقة عموماً. كما سيحد على نحو كبير من طموح الهيمنة التركية الكاملة على سوريا. إضافة إلى الحد من نفوذ قوى محتملة في سوريا خاصة إسرائيل وروسيا.
كما يمكن التأكيد أيضاً أن دعم السعودية نظاماً إسلامياً معتدلاً في سوريا، سيدعم جهود السعودية في محاربة التطرف والإرهاب، وتكريس النسخة المعتدلة للإسلام السياسي في المنطقة. وتمتلك سوريا الكثير من المقومات الاقتصادية، والجيوسياسية الداعمة لطموحات السعودية الاقتصادية والجيوسياسية.
فالسعودية بصدد الانضمام لمشروعات ومبادرات عالمية موازية لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتمثل سوريا بحكم موقعها الإستراتيجي على البحر المتوسط نقطة حيوية في تلك المبادرات، خاصة طريق الخليج الهند. يضاف إلى ذلك، تعد سوريا ممراً استراتيجياً لتعزيز التجارة السعودية إلى أوروبا وآسيا.
ولعل أخيراً ستمثل سوريا الجديدة نموذجاً عقلانياً لدفع التصور السعودي لحل القضية الفلسطينية بصورة نهائية إلى أميال أمامية. يقوم التصور السعودي «الواقعي العقلاني» على مقاربة الأرض مقابل السلام، كما دشنته مبادرة الملك عبدالله، طيب الله ثراه، في 2002. والحقيقة أن ما يفسد هذه المقاربة هو نزعة المقاومة الأيديولوجية الصفرية المدعومة من قوى إقليمية مستغلة، وليس المقاومة المشروعة العقلانية وهو الحق الطبيعي، التي أصبحت غير عملية بالمرة، بل مساهمة في تنامي التوحش اليميني في إسرائيل، والمزيد في التدهور في حقوق الشعب الفلسطيني.
وعلى إثره، فإن وجود حكومة إسلامية معتدلة في سوريا، صرحت مراراً بأنها لا ترمى إلى محاربة إسرائيل، ولن تحول سوريا إلى ساحة مقاومة صفرية ضد إسرائيل، حيث الأولوية لبناء الدولة المهدومة؛ سيعمل على تقويض نزعة المقاومة الصفرية في المنطقة.
ومن ثم، ستدفع مسار القضية إلى المسار الصحيح القائم على حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على أراضيها المحتلة كشرط للسلام.
قصارى القول، الدور السعودي الجديد في سوريا، سيمنح السعودية نفوذاً واسعاً إقليمياً ودولياً، وهذا الأمر لم يأتِ من فراغ، بل عبر نهج سعودي جديد على يد الأمير محمد بن سلمان، انطلق من تغير وجه السعودية من الداخل.




