أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: مفاوضات روما.. والانسحاب المتدرّج

يبدو أن النقاش في مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل لم يكن محصورًا بوقف التصعيد أو تثبيت الترتيبات الأمنية الآنية، بل انتقل، وفق مصادر سياسية لبنانية عليمة، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق برسم خريطة طريق متكاملة لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق اللبنانية التي تحتلها إسرائيل.

وبحسب التصور الذي جرى تداوله، فإن الانسحاب سيتم وفق جدول زمني متدرج ومتسلسل، تنتقل بموجبه العملية من منطقة إلى أخرى، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولياته تدريجيًا في كل منطقة يتم إخلاؤها، بما يضمن استمرار الاستقرار ومنع أي مواجهة قد تنسف التفاهمات التي يتم التوصل إليها.

وتقوم هذه الآلية، بحسب المصادر، على مبدأ التزامن بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، بحيث لا تبقى أي منطقة من دون سلطة أمنية واضحة، وهو ما يشكل أحد أبرز عناصر الطمأنة للمجتمع الدولي وللقوى المعنية بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي. كما أن هذا النموذج ينسجم مع رؤية تعتبر أن تعزيز حضور الدولة اللبنانية في الجنوب هو المدخل الطبيعي لتثبيت الاستقرار ومنع العودة إلى دوامة الحرب.

غير أن نجاح هذه الخطة، في رأي المصادر، يبقى مرتبطًا بجملة عوامل سياسية وأمنية معقدة، فالانسحاب الإسرائيلي يحتاج إلى ضمانات بعدم تجدد العمليات العسكرية، فيما يتمسك لبنان بضرورة الانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي استقرار دائم. وبين هذين الموقفين تتحرك المفاوضات ضمن مساحة ضيقة تحاول التوفيق بين الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية والحقوق السيادية اللبنانية.

ويبرز في هذا السياق دور الجيش اللبناني باعتباره الركيزة الأساسية في المرحلة المقبلة، فالمؤسسة العسكرية ستكون أمام مهمة واسعة تشمل الانتشار في مناطق جديدة، وتأمين الحدود، ومنع أي خرق أمني، وهو ما يتطلب دعمًا لوجستيًا وتقنيًا وماليًا كبيرًا يسمح لها بأداء هذه المسؤوليات بكفاءة واستمرارية.

وفي المقابل، فإن اعتماد مبدأ الانسحاب المرحلي قد يمنح المفاوضات مرونة أكبر، إذ يسمح بتقييم كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، ومعالجة أي عقبات قد تظهر ميدانيًا أو سياسيًا، بدلًا من ربط العملية كلها بقرار واحد قد يكون من الصعب تنفيذه في ظل التعقيدات القائمة.

كما أن الجدول الزمني المتدرج يتيح بناء قدر من الثقة بين الأطراف المعنية، خصوصًا إذا اقترن بالتزام واضح بتنفيذ المراحل المتفق عليها ضمن مهل محددة، بعيدًا عن سياسة التأجيل والمراوغة أو فرض وقائع جديدة على الأرض. فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب المهل الزمنية الواضحة غالبًا ما يؤدي إلى تعطيل التنفيذ وإبقاء الملفات عالقة.

غير أنه لا تزال هناك تحديات قد تعترض هذا المسار، أبرزها احتمال تبدل الأوضاع الإقليمية، أو حصول تطورات ميدانية تؤدي إلى تجميد تنفيذ المراحل المتفق عليها. كما أن أي خرق أمني كبير قد ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات ويعيدها إلى نقطة الصفر.

وعليه، فإن ما جرى بحثه في روما يتجاوز مجرد ترتيبات تقنية للانسحاب، ليشكل محاولة لإرساء نموذج جديد لإدارة المرحلة التي تلي الاحتلال، يقوم على الانتقال المنظم للمسؤوليات الأمنية، وتعزيز حضور الدولة اللبنانية، وتهيئة الظروف لاستقرار طويل الأمد. وإذا نجحت هذه الآلية في تجاوز العقبات السياسية والميدانية، فإنها قد تمثل بداية مرحلة مختلفة في الجنوب، عنوانها تثبيت السيادة اللبنانية عبر انسحاب متدرج ومدروس.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى