رأي

ستارمر قد يذهب مع ريح إبستين واليمين ينتظر

جلال الورغي – الجزيرة:

لم يشفع لحزب العمال الذي يقود الحكومة الحالية، الانتصار التاريخي الذي حققه الحزب في الانتخابات العامة التي جرت في 2024، وحصد فيها 412 مقعدا من أصل 650، محققا أغلبية مريحة أشرت إلى حقبة جديدة واستقرار سياسي بعد عقد من السنوات الصعبة التي مرت بها البلاد والأحزاب السياسية الرئيسية، فزعيم حزب العمال رئيس الحكومة كير ستارمر يواجه اليوم وضعية حرجة، قد تعصف بمنصبه في الحزب والحكومة، في ضوء الأزمة المتفجرة في البلاد على خلفية فضيحة إبستين، والتي التقطتها أحزاب المعارضة للمطالبة باستقالة ستارمر.

اللافت أن أزمة إبستين التي كُشفت في الولايات المتحدة الأمريكية واهتز لها الرأي العام العالمي، بدا فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب – والذي ورد اسمه آلاف المرات في الوثائق المتعلقة بالفضيحة- ناجيا، بينما يواجه رئيس الوزراء البريطاني ستارمر الذي لم يرد اسمه في القضية فيما تسرب، وربما لم يلتق إبستين، أزمة عمقت وضعيته الحرجة.

إذ تشن المعارضة هجوما شرسا على ستارمر وتطالبه بالاستقالة؛ بسبب تعيينه بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا في نيويورك.

وتدفع المعارضة لذلك الاتجاه بعد أن كشفت الوثائق المفرج عنها في قضية إبستين، أن ماندلسون كان على علاقة وثيقة به لسنوات طويلة.

وتشير الوثائق لتسريب ماندلسون- عندما كان في الحكومة البريطانية- معطيات حساسة عن الاقتصاد البريطاني لإبستين.

ملاحظات أساسية وجب التوقف عندها لفهم ملامح الأزمة التي تعيشها حكومة العمال بقيادة كير ستارمر في ضوء قضية إبستين:

أولا: شغل الحكومة في بريطانيا خلال السنوات العشر الأخيرة ستة رؤساء وزراء، أي حوالي ثلث إجمالي رؤساء الحكومات منذ الحرب العالمية الثانية، في ظرف عقد فقط. وهو ما يعكس حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي والحكومي في بريطانيا.
وهي حالة هشاشة لا تقتصر على حزب سياسي واحد، وإنما تشمل مختلف الأحزاب السياسية، وتنعكس على الوضع العام في البلاد.

ثانيا: يرتبط عدم الاستقرار الحكومي والسياسي في بريطانيا بالسنوات العشر الأخيرة، أي منذ 2016، وهو العام الذي جرى فيه الاستفتاء المثير للجدل حول الخروج من الاتحاد الأوروبي والذي عرف بـ”بريكست”، وصوت فيه البريطانيون بـ”نعم” في خطوة اعتبرت آنذاك ولا تزال مفاجئة صادمة وغير ناضجة، وتثير جدلا واسعا في البلاد حول ما اتسمت به من تسرع، وأيضا لما لها من تداعيات سلبية واضحة تعكسها الأرقام المتراجعة بشكل مطرد للاقتصاد البريطاني.
ثالثا: تمثل الوضعية التي يعيشها كير ستارمر وحزبه، حالة لافتة للغاية. فالحزب الذي حقق فوزا مريحا، ويحوز الأغلبية في البرلمان، يعاني من تدني شعبيته. فشعبية ستارمر اليوم هي الأدنى في تاريخ رؤساء الحكومات البريطانية.
ويواجه ستارمر منذ الأشهر الأولى لتوليه رئاسة الحكومة صعوبات حتى داخل حزبه، وطُرح أكثر من مرة داخل الحزب سيناريوهات استبداله. ويرجع البعض ذلك إلى غياب الكاريزما السياسية، وعدم امتلاكه عصبية سياسية وأيديولوجية داخل الحزب.

رابعا: يرجع بعض قادة الحزب الحاكم هشاشة وضع ستارمر إلى محطة الانتخابات الداخلية التي جرت لاختيار زعيم للحزب في 2020، خلفا لجيرمي كوربن.
فثمة اعتقاد سائد بأن مورغان ماكسويني بالتعاون مع بيتر ماندلسون هندسا مخططا لافتكاك حزب العمال من التيار اليساري، ثم استبعدا تدريجيا كل المحسوبين على هذا التيار، مكرسين قيادة جديدة أقرب إلى اليمين، في قطيعة مع العمق الشعبي التقليدي.

ولذلك تظهر نتائج الانتخابات التي جرت في يوليو/تموز 2024 والتي فاز بها حزب العمال، أنه بقدر ما أعاد ذلك الفوز التاريخي الحزب إلى الحكم بعد 16 عاما في المعارضة، بقدر ما كشف عن مفارقة لافتة، وهي ضعف نسبة المشاركة من جهة، وأيضا حصول حزب العمال على أقل نسبة مصوتين له في تاريخه. إذ بدت نتيجة التصويت احتجاجية وعقابية بامتياز ضد حزب المحافظين، وليس بسبب جاذبية حزب العمال بقيادة ستارمر.

خامسا: لن يكون السقوط المدوي للشخصيات النافذة في حزب العمال على غرار بيتر ماندلسون، ورئيس موظفي “داونينغ ستريت” مورغان ماكسويني، وخروجهم من المشهد الحكومي، مجرد حدث عابر بالنسبة لستارمر، بل هو زلزال خلخل قيادته للحزب والحكومة.
إذ يمثل ماندلسون وماكسويني حجرَي الزاوية في معادلة تحكّم ستارمر بالحكومة والحزب، وطردهما جعل ستارمر كأنما يقود عربته بدولاب واحد.

فلم يكن ماكسويني مجرد رئيس الموظفين في “داونينغ ستريت” ومكمن أسرار ستارمر، إنما هو صانع مسيرة ستارمر للوصول لزعامة حزب العمال، ومهندس دائرته الضيقة، وفريقه الحكومي. لذلك يعتقد البعض أن استقالة ستارمر مسألة وقت بعد استقالة ماكسويني.

غير أن هذا التقدير قد يكون مبالغا أكثر من اللازم، لا سيما أن ستارمر على عكس جل زعماء العمال السابقين، ليس شخصية أيديولوجية، وهي نقطة قوة وضعف في نفس الوقت، ويبدو أن رئيس الحكومة حولها هذه المرة لنقطة قوة، فأخذ مسافة من التيار اليميني المترنح داخل الحزب ليجنح يسارا، باتجاه قيادات عمالية يسارية، كخطوة تمثل خشبة الخلاص لإنقاذ منصبه الحكومي والحزبي.


وهي خطوة إن نجح في تفعيلها قد تنقذ حكومته من الانهيار وحزب العمال من تبديد نصر تاريخي كان قد حققه.

سادسا: تبدو المخاوف كبيرة داخل الحزب من مغامرة تغيير رئيس الحكومة ستارمر.
ففضلا عن عدم وجود شخصية جاهزة لقيادة الحزب والحكومة في المرحلة الراهنة، تحل محل ستارمر، يرى الكثير أن ذهاب الأخير الآن سيعمق أزمة الحزب والحكومة، ويفتح البلاد على سيناريو انتخابات عامة سابقة لأوانها.

فتغيير “العمال” لستارمر، سيدفع كل الأحزاب المعارضة للمطالبة بالذهاب لانتخابات جديدة: انتخابات إن جرت اليوم قد يكون أكبر المستفيدين منها حزب “الإصلاح” اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج الذي تعطيه كل استطلاعات الرأي الصدارة.

كما يرى الرافضون لتغيير ستارمر بأن أغلبيته البرلمانية، والاستحقاقات الوطنية والدولية توجب استقرارا حكوميا، سواء لجهة الإنعاش الاقتصادي، أو لجهة مخاطر الحرب الأوكرانية والتهديدات الروسية للبلاد، فضلا عن التداعيات الخطيرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، أو حتى لجهة منح الحكومة الفرصة للعمل على تنفيذ برنامجها، وبالتالي استعادة ثقة الناخبين، ما قد يضعف مع الوقت حظوظ اليمين المتطرف في الانتخابات العامة القادمة.

سابعا: يعقّد وضع حكومة حزب العمال بقيادة ستارمر تصاعد الشعبوية المتزايدة في بريطانيا، كغيرها من الدول الأوروبية. ولكن يزداد الأمر تعقيدا في بريطانيا؛ بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط زعيم التيار اليميني ورئيس حزب “الإصلاح” نايجل فاراج بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجزء من فريقه في البيت الأبيض.
فإلى جانب التصريحات المتكررة من ترمب الداعمة لفاراج، فضلا عن استقباله والاحتفاء به في الولايات المتحدة، يلقى فاراج دعما من شخصيات أمريكية بارزة على غرار إيلون ماسك، وستيف بانون، والأعضاء الجمهوريين في الكونغرس.

كما نوه تقرير إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وبشكل مثير بالتيار اليميني في أوروبا وصوره كمنقذ للهوية الغربية، والوقوف في وجه الهجرة والمهاجرين المهددين لهوية القارة.

هذه السياقات الداخلية والخارجية في بريطانيا، جعلت حزب فاراج يتصدر اليوم استطلاعات الرأي بفارق كبير عن بقية الأحزاب السياسية، وتتزايد التوقعات بفوزه بالانتخابات العامة القادمة.

ثامنا: المؤكد أن الأزمة العاصفة التي تمر بها حكومة العمال، والتي أطاحت برموز اليمين داخل الحزب، أثبتت أن الحزب صاحب التاريخ العريق ارتباطا بالنقابات والتوجهات الديمقراطية الاجتماعية، ينفض اليوم بسبب فضيحة إبستين، ثقافة ثلاثة عقود من خيار ما يعرف بحقبة “حزب العمال الجديد” الذي قاده توني بلير، وكان بيتر ماندلسون أحد عرابيه الأساسيين، ليتوقف عند حقيقة واحدة: أن انزياح الحزب بكل تقاليده اليسارية إلى الوسط، ما كان يجب أن يعني مطلقا الانزياح عن الأخلاق السياسية للحزب، التي استخف بها التيار “اليميني” المتحكم بالحزب، انسياقا وراء المال الفاسد، واللوبيات التي باتت تصنع السياسة وقراراتها على هامش مؤسسات الدولة، بل وحتى في جزر نائية على غرار جزيرة إبستين.
وهو ما يستوجب من الحزب اليوم التصالح مع تاريخه، وإرثه الاجتماعي، وعمقه الشعبي، سر قوته وتألقه.

تاسعا: اللافت أن الأزمة السياسية التي تعصف ببريطانيا سواء لجهة الأحزاب التقليدية، أو لجهة الحكومات المتعاقبة، تعكس أزمة أعمق لا تعني فقط بريطانيا وإنما الدول المحورية في أوروبا على غرار فرنسا، وألمانيا.
وكما يستشعر العالم اليوم وتتردد على مسامعه، مقولة نهاية النظام العالمي الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما يقتضيه ذلك من الاستيعاب والتطور والتكيف، فإن تغيرات وتحولات عميقة تشهدها بريطانيا كما البلدان الأوروبية، تتداعى وتنعكس بشكل مباشر على أنظمة حكم ومؤسسات، تحتاج مراجعة وتجددا ومواكبة.


عاشرا: إن الأزمة التي تعيشها حكومة العمال البريطانية اليوم، والتي عمقتها بقوة وثائق إبستين، قد لا تفضي في المدى المنظور إلى سقوط حكومة ستارمر، ولكنها ستفرض عليه إعادة ترتيب أوراقه، بما في ذلك تعديلات واسعة في حكومته، وتحديد أهداف واضحة للمرحلة تستجيب لتطلعات الناخبين، فضلا عن إطلاق خطة اتصالية واضحة، لا يزال ستارمر وحكومته يعانيان من ضعف واضح فيها.
بيد أن الحرب الخفية داخل الحزب وبين أقطابه على خلافة ستارمر لن تخبو بسهولة، لا سيما مع توقعات بتراجع كبير للحزب في الانتخابات المحلية التي ستجرى خلال الأيام القادمة، والتي تشير الاستطلاعات إلى أن “العمال” سيفقد أكثر من ألفي مقعد محلي.

نجاة ستارمر المؤقتة من ارتدادات فضيحة إبستين، لا تعني نهاية أزمة حكومته، وإنما ستضعه أمام اختبارات صعبة لجهة استعادة ثقة حزبه والناخب البريطاني خلال المرحلة القادمة، لا سيما أن استطلاعا للرأي أجري خلال أيام يشير إلى أن نصف البريطانيين يؤيدون فكرة استقالته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى