سبتة… لماذا أراد الشعب الهروب؟

علي أنوزلا – العربي الجديد:
ليست المأساة التي عاشتها مدينة سبتة المحتلة، في أقصى شمال المغرب، مجرّد “أزمة هجرة غير نظامية”، كما يحاول الخطاب الرسمي المغربي اختزالها. إنها، في جوهرها، أزمة تنمية، وأزمة عدالة اجتماعية، وأزمة خيارات عمومية راكمت إخفاقاتها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وانتهت بعشرات الآلاف من الشباب وهم يندفعون نحو البحر، وبعشرات القتلى والمفقودين، وآلاف الأسر التي لا تزال تنتظر خبراً عن أبنائها.
من الخطأ البحث عن تفسير ما جرى في شبكات تهريب البشر وحدها، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، أو في الإشاعات التي انتشرت قبيل المأساة، أو حتى في القراءات الجيوسياسية التي ربطت ما حدث في هذا الجيب المغربي المحتل بمواقف الحكومة الإسبانية من الحرب على غزة أو من الحرب العدوانية الأميركية على إيران، باعتبار أن الغاية كانت إضعاف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قبل الانتخابات المقبلة.
ما حدث في سبتة ليس مجرد أزمة هجرة، بل أزمة دولة تنموية بلغت حدودها القصوى
قد تساعد هذه العناصر على تفسير بعض جوانب الحدث، أو فهم كيفية استغلاله سياسياً، لكنها لا تفسر أسبابه العميقة. فقد سارع اليمين الإسباني، ومعه جزء واسع من اليمين الأوروبي، إلى توظيف المأساة لتعزيز خطابه المعادي للمهاجرين. كذلك رأت فيها دوائر رسمية أميركية وإسرائيلية فرصة لتصفية الحساب مع حكومة بيدرو سانشيز بسبب مواقفها المؤيدة للقضية الفلسطينية والمنتقدة لحرب الإبادة على غزة والمعارضة للحرب العدوانية على إيران. غير أن كل ذلك يبقى عوامل ظرفية، بينما يظل السبب الجوهري الثابث الذي لا يرتع هو الواقع الاجتماعي والاقتصادي صنعته السياسات العمومية المغربية، وتراكمات نتائجها السلبية عاماً بعد عام.
والمفارقة أن هذا التشخيص لا يصدر عن معارضين أو ناشطين غاضبين، بل عن مؤسّسات الدولة نفسها. ففي اليوم نفسه الذي كان آلاف الشباب المغاربة يتجهون نحو سبتة، قدم والي بنك المغرب تقريره السنوي إلى الملك محمد السادس، مؤكداً فيه أن نجاح الاقتصاد لم يعد يقاس بالمؤشرات الماكرو-اقتصادية وحدها، بل بمدى تحسن حياة المواطنين، ومحذراً من اتساع الهوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي. وكشفت الأرقام التي تضمنها التقرير حجم الأزمة الضاربة أطنابها في عمق المجتمع. فأقل من أربعة مغاربة من أصل عشرة في سن العمل هم فقط من يشتغلون فعلياً، بينما يتجاوز عدد العاطلين من العمل 1.62 مليون شخص، وترتفع بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2%، وتبلغ بطالة النساء 20.5%، في وقت يتسع فيه التشغيل الهش، ويرتفع معدل العمل الناقص إلى 10.9%.
لكن المؤشر الأكثر قسوة يتمثل بوجود ما يقارب ثلاثة ملايين شاب خارج المدرسة والتكوين وسوق الشغل في الوقت نفسه؛ ثلاثة ملايين لا يدرسون، ولا يتدربون، ولا يعملون، يعيشون خارج أي أفق اقتصادي أو اجتماعي. ولا تقف الصورة السوداوية عند هذا الحد، فخمس الوظائف في المغرب موسمية أو عرضية، وأكثر من ثلثي العاملين لا يستفيدون من تغطية صحية مرتبطة بعملهم، فيما يفوق إنفاق أغنى 20% من السكان إنفاق أفقر 20% بأكثر من سبع مرات، بينما يظل متوسط إنفاق سكان المدن يقارب ضعف إنفاق سكان العالم القروي. وهي مؤشرات تكشف عمق الفوارق الاجتماعية والمجالية التي راكمتها السياسات العمومية المتوالية.
وقبل تقرير بنك المغرب، كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد أطلق التحذير نفسه. فقد كشف أن نحو 4.3 ملايين شاب وشابة، تراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، يوجدون خارج التعليم والتكوين والعمل، وتشكل النساء نحو 73 في المائة من هذه الفئة. كذلك سجل مغادرة حوالى 331 ألف تلميذة وتلميذ المدرسة سنوياً، محذراً من أن استمرار إقصاء هؤلاء الشباب يهدد التماسك الاجتماعي ويغذي الإحباط واليأس.
والصورة القاتمة نفسها رسمتها تقارير المندوبية السامية للتخطيط، التي تحدثت عن ملايين المغاربة الذين لا يزالون يعيشون أوضاعاً تتسم بحرمان التعليم والصحة وظروف العيش، وعن استمرار الأمية في صفوف نحو ربع السكان البالغين، إلى جانب استمرار مظاهر الهشاشة الاجتماعية وتفاوت الولوج إلى الخدمات الأساسية.
هذه المعطيات ليست جديدة، ولم تكن مجهولة. وهي تفسر لماذا لم يعد البحر، بالنسبة إلى آلاف الشباب، مجرد طريق للهجرة، بل تحول إلى آخر منفذ للهروب من البطالة والهشاشة وانسداد الأفق. فهؤلاء هم أنفسهم الذين حاولوا العبور الجماعي خلال سنتي 2021 و2024، وهم أنفسهم الذين خرجوا إلى الشارع سنة 2025 في ما عُرف بـ”حركة جيل زد” المغربية، احتجاجاً على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، قبل أن تنتهي تلك الاحتجاجات بحملات اعتقال ومحاكمات وأحكام ثقيلة.
دفعت السياسات العمومية، خلال العقود الماضية، ثمناً باهظاً لانحيازها إلى تنمية تركز على الحجر أكثر من الإنسان
لذلك، هؤلاء الشباب لا يحتاجون إلى أجهزة استخبارات أجنبية، ولا إلى شبكات تهريب دولية، حتى يقتنعوا بالمغامرة بحياتهم. فواقعهم اليومي كافٍ لأن يدفع كثيرين منهم إلى المجازفة بكل شيء، بما في ذلك رمي أنفسهم في البحر، هرباً من الفقر والبطالة والتهميش، ومن شعور متزايد بانسداد المستقبل، في ظل الغلاء، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتفشي الفساد بكل أنواعه، وعجز الأحزاب والحكومات عن تقديم أجوبة مقنعة للانتظارات الاجتماعية الكبيرة.
لقد دفعت السياسات العمومية، خلال العقود الماضية، ثمناً باهظاً لانحيازها إلى تنمية تركز على الحجر أكثر من الإنسان. فقد أُنجزت طرق سيارة، وموانئ عملاقة، وخطوط للقطار فائق السرعة، ومناطق صناعية، وملاعب رياضية ضخمة، وهي مشاريع لا يمكن إنكار أهميتها الاقتصادية. غير أن التنمية لا تقاس بعدد الكيلومترات المعبدة، ولا بطاقة الموانئ، ولا بسعة الملاعب، بل بقدرة المواطن على أن يجد عملاً لائقاً، وتعليماً جيداً، ورعاية صحية تحفظ كرامته، وأملاً حقيقياً في المستقبل داخل وطنه.
ما حدث في سبتة ليس مجرد أزمة هجرة، بل أزمة دولة تنموية بلغت حدودها القصوى. كذلك فإنه ليس فشلاً في ضبط الحدود، بقدر ما هو فشل في توفير أسباب البقاء داخل الوطن. فعندما يتحوّل عشرات الآلاف من الشباب، في ساعات قليلة، إلى مرشحين للموت في البحر، فإن الرسالة التي يبعثون بها ليست أنهم يكرهون وطنهم، بل أنهم لم يعودوا يجدون فيه ما يمنحهم سبباً للبقاء. لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه المغرب بعد هذه المأساة ليس: كيف نمنع الشباب من الوصول إلى البحر؟ بل كيف يبني وطناً لا يفكر فيه شبابه أصلاً في الهروب منه؟




