رأي

زيارة ترامب لبريطانيا وأبعادها

لا تخفى خصوصية علاقات بريطانيا بالولايات المتحدة الأمريكية على مدار عقود، كما لا تخفى خصوصية علاقات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمسؤولين البريطانيين، فهو الوحيد من بين رؤساء الولايات المتحدة الذي دُعي إلى لندن مرتين في زيارة دولة، الأولى في فترة رئاسته الأولى وهذه هي الثانية، علماً بأن رئيسين أمريكيين فقط هما من دُعِيا لزيارة دولة قبله. ولم يُخفِ ترامب إعجابه ببريطانيا، كما أنه كال المديح للملك تشارلز الثالث، ومن قبله الملكة إليزابيث الثانية، والتي وُضِعت زيارة قبرها ضمن برنامج الزيارة. بريطانيا من جانبها بادلت الرئيس ترامب «الإعجاب»، وفهمت شخصيته فمنحته ما لم تمنحه لرئيس أمريكي من قبل.
هذا عن بريطانيا الرسمية التي تأمل في تحقيق الكثير من الزيارة الحالية اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، ومن ثم فإن هناك اتفاقات وصفقات ستعقد في مجالات مهمة مثل الطاقة النووية، واستثمارات في مجال التكنولوجيا وغيرها من الأمور، كما أن المسائل التجارية التي خُصّت فيها بريطانيا بمعاملة مميزة ستكون محل تفاوض للحصول على المزيد، لكن على المستوى الشعبي تنتظر ترامب مظاهرات حاشدة، ومن ثم هناك حالة استنفار أمني، على الرغم من أن الزيارة خُطِّط لها في أماكن بعيداً عن التجمعات.
ربما لا يكون المتظاهرون أو بالأحرى كلهم يعترضون على أمور تخص علاقات بلادهم بالولايات المتحدة، وإنما بقضايا تخص شخصية الرئيس ترامب نفسه وقناعاته، وكذلك سياساته في الكثير من الملفات العالمية، بدءاً من تغير المناخ، مروراً بتخفيض المساعدات، والضغط على المنظمات الدولية، وكذلك موقفه من الملفات الساخنة في العالم وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والمذبحة الجارية في غزة.
وهنا فإن الخلافات مع الإدارة الأمريكية في بعض هذه الملفات لا تقف عند الجانب الشعبي، وإنما هناك هامش من الاختلاف الرسمي في بعض الملفات أيضاً، كما هو الحال في الملف الأوكراني، والموقف مما ترتكبه إسرائيل في غزة والضفة وكل منطقة الشرق الأوسط.
فيما يتعلق بما يجري في غزة، فبريطانيا باتت مع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما ترفضه واشنطن، كما أن لندن تميل إلى الجانب الأوروبي في التعامل مع الحرب في أوكرانيا. ولا يخفى أن هناك مسؤولية تاريخية على بريطانيا في الملف الفلسطيني باعتبارها من منحت اليهود وعداً بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، كما أن واشنطن هي الداعم الأكبر لإسرائيل، وهي التي توفر لها الحماية في مجلس الأمن الدولي.
بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط، فإن هذه الزيارة جاءت بعد نحو أسبوعين من اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون والعرض العسكري الصيني الضخم، وما ترتب على ذلك من ردود فعل من جانب الرئيس الأمريكي، وحديثه الصريح عن مؤامرة تقوم بها الصين وروسيا وكوريا الشمالية. وعلى الرغم من النفي الذي صدر بخصوص هذه الاتهامات الأمريكية، فإن واشنطن لديها قناعات قديمة بخصوص التهديد الذي تمثله الصين، وهي مسألة لا تختلف معها بريطانيا كثيراً.
زيارة ترامب لبريطانيا تأتي في ظرف دولي شائك ومعقد، يحتاج فيه العالم إلى التصرف بمسؤولية تجاه القضايا الساخنة المثارة، مع تزايد الحاجة إلى لجم حالة الاستقطاب الدولي التي قد تنذر بما هو أكثر من الحرب الباردة.

المصدر: الخليج

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى