رأي

خفوت الموقف الأوروبي: الحرب كمحدِّد للفاعلية

ورد كاسوحة – الأخبار:

الرفض الجزئي الذي عبّرت عنه غالبية الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، للمساهمة في جهود الولايات المتحدة لمعاودة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة وحركة السفن التجارية، ليس في الحقيقة وليد لحظة الحرب الحالية. ثمّة امتعاض أوروبي سابق ومتراكِم من سياسات إدارة ترامب، ولا سيّما على الصعيد التجاري، أفضى، بعد تراكُبه مع الحذر المستجدّ تجاه الانخراط في الحرب الإمبريالية النشطة ضدّ إيران، إلى حصول هذا التباعُد في المواقف بين الحليفين التقليديين على ضفّتي الأطلسي.

كان واضحاً منذ البداية أنّ الحرب بصيغتها الثنائية، الأميركية الإسرائيلية، لن تحظى بغطاء أوروبي، أو حتى أطلسي، متماسك وفاعِل. ثمّة أسباب عديدة لذلك، وهي لا تقتصر على الامتعاض الأوروبي من سياسات ترامب التجارية تجاه الحلفاء على الضفّة الأخرى من الأطلسي. على رأس هذه الأسباب يأتي الانخراط الأوروبي النَّشِط في حرب أوكرانيا، والذي يبدو بالنسبة إلى الأوروبيين ليس فقط أولويةً لحفظ الأمن بل كذلك بمثابة بوليصة تأمين على الوجود الجيوسياسي للقارّة نفسِه. وهو ما يجعل السياسات العسكرية التدخّلية دعماً لأوكرانيا، في مواجهة روسيا، محدّداً أساسياً لإمكانية انتهاج هذه الدول سياسات عسكرية وتدخّلية أخرى، في بُقَع جغرافية لا تعتبر، على أهميّتها الاستراتيجية والجيوسياسية، أولوية بالنسبة إلى الأمن الاستراتيجي الأوروبي.

الدولتان اللتان أبدَتا أكثَرَ من سواهما استعداداً للانخراط في المجهود الحربي إلى جانب الولايات المتحدة، هما بريطانيا وفرنسا. والحال أنّ هذا المجهود نفسه لم يكن بدافع المصلحة من الحرب بقدر ما كان لدَرْء ما تعتبرانه تبعات سلبية عليهما، جرّاء حجم التدمير الذي مورس ضدّ إيران في الحرب وأفضى إلى توسيع رقعة ردودِها الدفاعية على التحالف الأميركي الإسرائيلي، لتطاولَ قواعد بريطانية في قبرص وسواها، بالإضافة إلى مصالح فرنسية استراتيجية مع دول الخليج، ولا سيّما في الإمارات.

الموقف الألماني، الذي يُعتبر بمثابة ركيزة ثالثة للقوّة الاستراتيجية الأوروبية، بعد فرنسا وبريطانيا، كان أكثَرَ تمايزاً، لجهة «الوقوف على الحياد» وعدم اتخاذ مواقف تبدو وكأنها تشجِّع على الانخراط في الحرب، حتى سياسياً، مع إبداء تضامن شكلي، في الوقت ذاته، مع المعسكر الغربي، حتى لا يحصل مزيد من التصدُّعات الجيوسياسية في الموقف الإجمالي للغرب أثناء الحرب. هذا لا يتعارَض مع تأييد ألمانيا المُطلق لإسرائيل، على اعتبار أن دور الأخيرة في الحرب، لا نقول هو ثانوي، ولكنه مكمِّل للدور الأساسي الذي تضطلع به الولايات المتحدة، وفي الحروب الإمبريالية المتكرّرة التي خاضتها الولايات المتحدة غالباً ما كانت ألمانيا تقف على الحياد الإيجابي، إن لم تعارِض الحرب أيضاً، حين يكون ثمّة دور مركزي لليسار في الحكم؛ أي كما حصَلَ مع حكومة المستشار غيرهارد شرويدر في عام 2003.

الوزن الاستراتيجي لهذه الدول الثلاث التي تمثّل ركيزة القوّة الجيوسياسية الأوروبية، لا يتعارَض مع الصعود الحاصِل، على ضوء الموقف من الحرب الأميركية ضدّ إيران، لقوىً أوروبية أخرى، لا تمتلك القوّة الاستراتيجية أو الاقتصادية ذاتها، بقدر ما تعبّر عن استمراريّة حضور التقليد الأوروبي التاريخي المعارِض لحروب الولايات المتحدة، ولا سيّما في محطات مفصلية مثل غزو العراق.

الموقف الإسباني بدا هنا، عند مفصل عام 2026، وكأنّه استعادة للموقفين الفرنسي والألماني المعترِضَين على التدخّل العسكري الأميركي الأُحادي الجانب في العراق عام 2003، ولكن في سياق تراجعي أكثر، بالنسبة إلى قوى يسار الوسط الأوروبية التي ينتمي إليها الحزب الاشتراكي الإسباني الحاكم بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.

وهذا يعود، في جزءٍ منه، إلى أسباب لا ترتبط بالموقف من الحروب الإمبريالية نفسِها، بقدر ارتباطها ببنية سياسات الاعتراض داخل الاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت تَميل في العقد المنصرم، بتأثير صعود سياسات الهويّة والموقف المتشدّد من الهجرة والهويّات الثقافية، إلى أحزاب اليمين المتطرّف، صاحبة الموقف المحابي للسياسات الإمبريالية، فيما خصّ حروب الولايات المتحدة من أجل النفط أو السيطرة على الموارد.

على أنّ ما يَسِم الكتلة الأوروبية، بشقّيها الموالي والمعارِض للحرب، هو انعدام الوزن والدور الهامشي، حتى من موقع التحالف مع الولايات المتحدة، قياساً بالقوى الثلاث الفاعلة في الحرب. أي لجهة كون الأطراف الثلاثة للحرب (الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل) مقرّرة فعلياً، سواء للموقف الجيوسياسي الذي يعيد تشكيل الإقليم على ضوء الأعمال القتالية، أو للتبعات الاقتصادية التي ستكون بالضرورة على حساب القوى الأخرى التي تمّ تهميشها في اتخاذ قرار الحرب ومن بعده الشروع في التفاوض لإنهائها.

هذا يؤهّل أطراف الحرب الثلاثة (إذا استثنينا الولايات المتحدة لأنها المقرّر الرئيسي في كلّ ما يجري)، حين تنضج المفاوضات الجارية حالياً في أُطُر أوّلية، إلى لعب أدوار تتجاوز بكثير وزنها الجيوسياسي الفعلي، أو حتى حجم اقتصاداتها، بالمقارنة مع الأطراف الدولية الأخرى التي لم تشارك فعلياً في الحرب، لا من موقع الرفض، ولا حتى القبول، مع أنها تملك من الوزن الجيوسياسي، وحجم الاقتصادات، ما يؤهّلها لخوض نزاعات أطول، ولكن بطريقة تختلف عن التدخّلية الإمبريالية الخاطِفة، التي أسّس لها ترامب، كمنهج، في حربه ضدّ إيران.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى