خريطة طريق لسودان مدني
هُيِّئَ لكثيرين، أن الأزمة السودانية طواها النسيان، في ظل تدافع أحداث أخرى ملتهبة في المنطقة العربية، غير أن هذا الملف الدامي المحتشد بالجراح، وصور المعاناة لم يغادر قلب اهتمامات الإمارات، ولم يغب عن جهودها بالتعاون مع الشركاء المعنيين، أملاً في بلوغ نهاية تليق بالشعب الشقيق وطموحاته.
إحدى ثمار المشاورات المكثفة على هذا الصعيد، البيان الرباعي للإمارات ومصر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، وهو يمثل، ببنوده الوافية، خريطة طريق أو نهجاً، يتعين على كل المعنيين بالصراع في السودان اتباعه، لوضع حد لأسوأ أزمة إنسانية في العالم.
والبيان، بتوقيته وتعبيراته ومراميه، تعبير عن إحساس عميق بأن تبعات الصراع في السودان، بلغت حداً لا يمكن استمراره أكثر من ذلك، حرصاً، قبل كل شيء، على الشعب الشقيق الذي أثخنته جراح مواجهة، لا يد له فيها ونتائجها صفرية لكل الأطراف. كذلك، لا يمكن إغفال أن دوام الصراع في بلد بأهمية السودان التاريخية والجغرافية والبشرية، ينطوي على مخاطر تمس السلم والأمن، ويراكم ما يحيق بالمنطقة من أزمات تهدد استقرارها وتعطل انطلاقتها نحو المستقبل.
في خريطة الطريق المأمولة التي يجسدها البيان، وقفة لافتة وصريحة عند جذور الصراع، تجاورها مبادئ مشتركة لاجتثاثها، وهو أمر لا يتحقق بغير تبني أطرافه الرئيسية هذا النهج، وانتشال السودان من موقع البلد المنكوب بأسوأ أزمات العالم الإنسانية.
«سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ضرورية للسلام والاستقرار» المبدأ الأعلى في البيان، يرافقه تذكير بما تكرر كثيراً من محبي البلد الشقيق، وهو عبثية الرهان على أي حل عسكري، فكل ساعٍ إليه خاسر، لكن لا شيء أفدح مما يدفعه السودانيون الذين يجب أن تكون لهم الكلمة الفصل في مستقبل وطنهم، عبر مسار انتقالي شامل شفاف ينطلق من مداواة الجراح المفتوحة.
وهذه الانطلاقة تتطلب هدنة أولية، قدرّها البيان بثلاثة أشهر، تسرّع دخول المساعدات إلى عموم السودان، وتحمي مدنييه، وتلجم الهجمات على مقدراته المدنية، وتلهم أبناءه تفاصيل العملية الانتقالية والبدء فيها، بقيادة حكومة مدنية شرعية ومسؤولة.
هذه الخريطة الرباعية طريق مستقبل آمن للسودان، وضربة لجماعات التطرف والعنف ذات الصلة، انتماء أو ارتباطاً، بجماعة «الإخوان المسلمين» التي تغذي نفوذها بالدم السوداني، وتستغله في إشعال النيران بالمنطقة.
من أجل السودان، والمنطقة، والعالم، يقدم وزراء خارجية الإمارات ومصر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، هذه المبادئ الهادية، لكنها ليست غاية الجهد، ولا منتهى التشاور على كل المستويات، ولا التعاون مع بقية الدول والمؤسسات، حتى يتحقق الهدف الأسمى، وهو أن يستعيد السودان السلام وتنتهي معاناة شعبه.
وفي سبيل بلوغ هذا الهدف، التزم الوزراء ببذل ما يلزم، للتوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع بمشاركة القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، والضغط على كل الأطراف لحماية المدنيين، وتهيئة ظروف أمن منطقة البحر الأحمر، ومجابهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود ودواعي انتشارها، وأي طرف إقليمي أو محلي يؤجج الأزمة ليستفيد منها.
المصدر: الخليج




