حرب لا تملك فيها أوروبا قرار الحرب ولا قرار السلم

محمد الصالحين الهوني – العرب:
أوروبا تجد نفسها الخاسر الأكبر في صراع لا تملك فيه قرار السلم، بينما تهدد فواتير الطاقة سلاسل إمدادها الصناعية بالانهيار.
بينما تتركز الأنظار على الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، تقف أوروبا في منطقة رمادية، تتأرجح بين ولاء متآكل لتحالف عبر الأطلسي وبين مصالح حيوية لم تكن يوما بهذا المستوى من الضعف. الحرب مع إيران كشفت عن خلل بنيوي في العلاقة الأوروبية – الأميركية، خلل جعل أوروبا تكتشف فجأة أنها قد تكون الخاسر الأكبر في معركة لا تملك فيها قرار الحرب ولا قرار السلم.
لطالما اعتادت أوروبا على دورها المريح تحت المظلة الأمنية الأميركية. كانت مشاركتها في تحالفات واشنطن الخارجية أشبه بعضوية فخرية تمنحها نفوذا سياسيا دون أن تطلب منها دفع الثمن الكامل. لكن طبيعة المواجهة المحتملة مع إيران مختلفة جذريا، فهي ليست حربا تقليدية يمكن لأوروبا أن تساهم فيها بأسطول صغير أو بطائرات استطلاع ثم تعود لتعلن انتصار الدبلوماسية. واشنطن تطلب شيئا مختلفا: مشاركة في مهام أمنية، ومهام استخباراتية في منطقة تدرك أوروبا أنها قد تحرق أصابعها فيها.
كشفت الأيام الأولى للتصعيد عن هشاشة مذهلة في التنسيق العسكري بين ضفتي الأطلسي. فالولايات المتحدة تمتلك بنية قيادة متكاملة في المنطقة وخبرات لا تضاهى في العمليات البحرية، بينما تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى بناء إجماع من 27 دولة حول كيفية الرد على استفزاز لم يحدث بعد.
هذا الإجماع، الذي كان دائما بطيئا ومربكا. بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا، تمتلك قدرات عسكرية محدودة في المنطقة وتاريخا من التدخل، لكن دولا أخرى، مثل ألمانيا أو إسبانيا، تنظر بعين الريبة لأي مغامرة عسكرية قد تعرض أساطيلها التجارية أو مصالحها الاقتصادية للخطر. الناتو، الذي تأسس لمواجهة التهديد السوفيتي على أرض أوروبا، لا يملك أدوات واضحة للتعامل مع أزمة في مضيق هرمز، لكنه في الوقت نفسه أصبح السقف الوحيد الذي يمكن لأوروبا أن تختبئ تحته.
أوروبا تواجه اختبارا مصيريا في أزمة الخليج حيث تكشف المواجهة مع إيران هشاشة التحالف عبر الأطلسي وتضع القارة أمام خيار صعب بين التبعية والاستقلال
المعضلة الأوروبية لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى قلب النموذج الاقتصادي الأوروبي. أوروبا هي أكبر مستورد للطاقة في العالم بعد الصين، ويعتمد جزء كبير من وارداتها النفطية والغازية على عبور آمن عبر مضيق هرمز. هذا التأثير لا يهدد فقط فواتير التدفئة في شتاء أوروبا، بل يهدد القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية بأكملها. فالمصانع الألمانية التي تعتمد على سلاسل إمداد دقيقة، والمزارع الإسبانية التي تحتاج إلى أسمدة تأتي عبر الخليج، تتربص بها رياح الركود التضخمي.
يزداد الوضع تعقيدا لأن أوروبا عاجزة عن تعويض أي نقص في الإمدادات من الخليج بمصادر بديلة، على الأقل في الأمد القصير. فالاتفاقيات مع قطر والجزائر وأذربيجان قد توفر بعض المرونة، لكنها لا تسد الفجوة الهائلة التي قد يحدثها تصاعد المواجهات. وهذا يعني أن أوروبا ستتحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية لأزمة لم تتسبب فيها، بل قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع فاتورة طاقة باهظة في وقت تعاني فيه اقتصاداتها من تباطؤ مزمن. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان أزمات السبعينات، لكن هذه المرة من دون شبكة أمان النمو الاقتصادي السريع الذي سمح لأوروبا بتجاوز صدمات الماضي.
في خضم هذه الورطة المزدوجة، يعود السؤال الأوروبي القديم – الجديد بقوة: ما جدوى “الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي” إن لم يظهر في لحظة مثل هذه؟ لطالما كان هذا المفهوم، الذي روج له الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أشبه بفانتازيا دبلوماسية بالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، خصوصا تلك التي لا تزال ترى في الناتو الضمانة الوحيدة لأمنها.
لكن أزمة الخليج تقدم اختبارا عمليا قاسيا: إما أن تكون أوروبا قادرة على بلورة موقف موحد ومستقل يحمي مصالحها الحيوية، حتى لو كان ذلك يعني تباعدا مؤلما مع واشنطن، أو تعترف بأنها لم تعد أكثر من تابع جيوسياسي يدفع الثمن دون أن يشارك في صنع القرار.
المشكلة أن أوروبا، في شكلها الحالي، ليست مهيأة لهذا الاختبار. فالاستقلال الإستراتيجي يتطلب ثلاث ركائز لا تمتلكها أوروبا بشكل كامل: أولا، قدرات عسكرية ذاتية تسمح بالتدخل أو الردع بعيدا عن القيادة الأميركية. ثانيا، سياسة طاقة مستقلة لا تجعلها رهينة لاستقرار مضيق هرمز، وهو حلم لم يتحقق بعد رغم سنوات من الحديث عن التنويع والتحول الطاقي. ثالثا، إرادة سياسية جماعية تتجاوز حسابات المصالح الضيقة لكل دولة، وهذه ربما تكون أندر الركائز في أوروبا اليوم، حيث تعود القوميات إلى الواجهة وتتضاءل الرؤى الموحدة تحت وطأة الأزمات الداخلية.
الاعتماد الأوروبي على أمن الطاقة عبر مضيق هرمز يجعل أي اضطراب كارثيا ويؤكد أن الاستقلال الإستراتيجي لم يعد شعارا دبلوماسيا بل ضرورة لحماية المصالح الحيوية
لذلك، عندما يتحدث الدبلوماسيون الأوروبيون عن “خفض التصعيد” و”الحل الدبلوماسي”، فهم لا يمارسون مجرد خطاب منمق، بل يعّبرون عن يأس حقيقي من واقع لا يملكون له حلا. فخيار الانخراط المحدود في أي مهمة أميركية لحماية الملاحة قد يرضي واشنطن مؤقتا، لكنه قد يجر أوروبا إلى مستنقع لا نهاية له. أما خيار الانسحاب والحياد، فهو شبه مستحيل سياسيا، لأن التخلي عن الحلفاء في المنطقة قد يعني خسارة النفوذ الأوروبي في أي تسوية مستقبلية.
المأساة الحقيقية أن أوروبا تدرك أن لا أحد سينقذها من هذا المأزق سوى نفسها. الولايات المتحدة، في ظل إدارة متقلبة ونظام دولي يتجه نحو تعددية متنازعة، لن تضحي بمصالحها الإستراتيجية في الخليج من أجل راحة الأوروبيين. على العكس، قد ترى واشنطن في أزمة الخليج فرصة لإعادة تأكيد زعامتها على الحلفاء الأوروبيين وإجبارهم على دفع تكاليف أمنهم التي أهملوها طويلا. أما روسيا والصين فستتابعان الموقف بارتياح، مستعدتين لاستغلال أي شرخ في العلاقات عبر الأطلسي، لكنهما لن تمدّا يد العون لأوروبا في أزمتها.
القرارات التي ستتخذها العواصم الأوروبية في الأسابيع والأشهر المقبلة، سواء في بروكسل أو برلين أو باريس، ستحدد ما إذا كانت أوروبا ستظل لاعبا مستقلا على المسرح العالمي أم ستتحول إلى مجرد ساحة خلفية للصراعات الأميركية – الإيرانية. الخيار الأول، أي الانخراط المحدود لتفادي الصدام مع واشنطن، قد يبدو آمنا في المدى القصير، لكنه سيجعلها أكثر تبعية وأقل قدرة على حماية مصالحها في أزمات المستقبل. أما الخيار الثاني، الدفع نحو استقلالية إستراتيجية أكبر، فهو محفوف بالمخاطر ويتطلب شجاعة نادرة، لكنه قد يكون الفرصة الأخيرة لإعادة تعريف مكانة أوروبا.




