حاسِبوا دعاة الحروب في واشنطن.. مهندسو الكوارث يقودون البلاد نحو فشل جديد

مجلة “فورن بوليسي” الأميركية تنشر تقريراً تدعو فيه إلى وجوب محاسبة النخب المؤيدة للحرب في الولايات المتحدة الأميركية، قائلةً إنه “لا ينبغي أن يفلت دعاة المغامرة الكارثية في إيران من المسؤولية”.
Stephen M. Walt – مجلة “فورن بوليسي” الأميركية:
وظل مهندسو الحروب الكارثية في فيتنام والعراق أعضاءً محترمين في المؤسسة الحاكمة طوال حياتهم، بل وشغل بعضهم مناصب قيادية أو وظائف مريحة في مؤسسات مرموقة، بحسب المجلة، واستمروا في إبداء آرائهم في مسائل السياسة الخارجية متى شاؤوا، ولم يُحاسب المحتالون الذين تسببوا في الأزمة المالية عام 2008، بل طُويت الصفحة ببساطة، وبالنظر إلى هذا السجل، فليس من المستغرب أن تميل الولايات المتحدة إلى تكرار أخطاء الماضي.
وتكاد تكون معادلة الحرب، بالنسبة لـ “فورن بوليسي”، واحدةً في كل مرة، فبعد تصوير “العدو المختار” على أنه تجسيدٌ للشر المطلق وعاجزٌ عن الإصلاح، يؤكد دعاة الحرب أن الحملة ستكون سريعةً وسهلةً وغير مكلفة، وستجلب فوائدَ بعيدة المدى وطويلة الأمد، محذّرين مراراً وتكراراً من أن الوقت ينفد وأن التقاعس عن العمل الآن سيؤدي إلى عواقب وخيمة.
كما ويميلون (أي دعاة الحرب أنفسهم) إلى التزام الصمت المتعمد بشأن المدنيين الأبرياء الذين سيُقتلون، والمصاعب التي سيواجهها الناجون بعد أن ندمر الكثير من الأشياء، “ويتوقعون بثقة أن السكان الذين نهاجمهم سيرحبون بأفعالنا، ثم تُكرر هذه الوصفة المألوفة بلا نهاية حتى تتوافق الظروف ويقرر أحد القادة الحمقى أن دعاة الحرب على حق”، وفقاً للمجلة.
وتساءلت “فورن بوليسي” عن أبرز الأصوات التي ساهمت في إضفاء الشرعية على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن الحرب، قائلةً إنه لا شك أن بريت ستيفنز، وهو من صحيفة “نيويورك تايمز” يُعدّ من بينهم، فلطالما كان ستيفنز من أشدّ المؤيدين للحرب مع إيران لسنوات، تماماً كما أيّد (ولا يزال يدافع) عن غزو العراق عام 2003، ومن موقعه المرموق في إحدى أبرز المؤسسات الإخبارية في العالم، كتب عام 2024: “نحن بحاجة ماسة إلى التصعيد في إيران”، وكرّر هذا الرأي عشية الحرب، في مقال بعنوان “مبررات ضرب إيران”.
“ضرائبك تُستخدم في جرائم حرب”
وأضافت المجلة أن ستيفنز لا يزال ملتزماً تماماً بهذه الحرب حتى اليوم، إذ يكتب مقالات لاحقة “يطمئن فيها القراء بأن الحرب تسير على ما يرام، ويحذر من أي تراخٍ في الجهود الأميركية”، مردفةً بتهكّم: “إذا كنت تُقدّر استخدام ضرائبك في جرائم الحرب، وتستمتع بدفع 6 دولارات أو أكثر للغالون الواحد من البنزين، فلا تتردد في إرسال رسالة شكر إليه”.
وعلى غرار ستيفنز، دعا ماثيو كرونيغ، وهو من المجلس الأطلسي، إلى الحرب ضد إيران لأكثر من عقد، بدءاً بمقال نُشر عام 2012 بعنوان “حان وقت مهاجمة إيران”، وكان هذا المقال مثالاً صارخاً على كيفية فشل التحليل الاستراتيجي، إذ جمع كرونيغ بين أفضل التوقعات حول مسار الحرب وأسوأها حول ما سيحدث في حال عدم وقوعها، بحسب المجلة.
وأعاد كرونيغ استخدام هذه الحجج في كتاب لاحق، ولم يُغيّر آراءه قيد أنملة منذ ذلك الحين، وكرر دعوته للحرب مجددًا عام 2025، مُصراً على ضآلة خطر اندلاع حرب أوسع نطاقاً لأن “إيران لن تُصعّد رداً على ذلك”، على حد قوله.
كما برزت دانييل بليتكا ومارك ثيسن ومايكل روبين، من معهد “أميركان إنتربرايز”، بوصفهم “مدافعين متحمسين عن الحرب”، وفقاً لما نقلت “فورن بوليسي”، إذ أجرى “هؤلاء الصقور المتشددون” حواراً مطولاً عشية الحرب، عبر بودكاست يشرحون فيه أسباب أملهم في أن يُبادر ترامب بتغيير النظام، متوقعين “سهولة إسقاط الحكومة الإيرانية”، ومناقشين باستخفاف “مزايا اغتيال قادتها”.
ويواصل بليتكا الدفاع عن الحرب، رغم تكاليفها المتزايدة ويأس ترامب الواضح، ولا يبدو أن أياً منهم يُبالي ولو قليلاً بالخسائر البشرية للحرب، أو الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي، أو احتمال ارتكاب جرائم حرب.
“دعاة الحرب ضد إيران”
ودعت المجلة إلى ضرورة محاسبة نيال فيرغسون من معهد هوفر بالمثل، كما يليق بشخص أيّد غزو العراق عام 2003، إذ صرّح فيرغسون في بودكاست مطلع عام 2026 بأن على الولايات المتحدة “إتمام المهمة” التي بدأتها الصيف الماضي، قائلاً: “لا شك أن إزالة هذا النظام من على وجه الأرض ستكون مفيدة للإيرانيين العاديين، بل وللمنطقة بأسرها، وللعالم أجمع، فلنفعلها”، وعندما حقق ترامب أمنيته، أكد لقراء صحيفة “فري برس”: “هناك أمر واحد أستطيع أن أعدكم به بثقة بشأن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية: لن تطول”، لكن فيرغسون، المعروف بمرونته، يبدو أنه تراجع مؤخراً عن تفاؤله الأولي، وبدأ يتساءل عما إذا كانت الحرب ستتحول إلى حرب عالمية.
وعلى غرار ذلك، يستحق الجنرال المتقاعد جاك كين، الحائز على أربع نجوم، بحسب معلومات المجلة، المساءلة أيضاً، فرغم أن ضباطاً عسكريين متقاعدين آخرين شككوا في جدوى هذه الحرب الأخيرة، إلا أن كين كان من أشد المؤيدين لها. قبل الحرب، صرّح لقناة فوكس نيوز بأن القوة العسكرية هي “الخيار الأمثل”، ووصفها بأنها “فرصة تاريخية” لتغيير النظام. وقد استمر في الدفاع عن الحرب منذ ذلك الحين، مشيداً بقرارات ترامب ومتوقعاً أن تنتهي قريباً.
ولا تكتمل أي مناقشة حول دعاة الحرب ضد إيران دون ذكر مارك دوبويتز وشركائه في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وفقاً لـ “فورن بوليسي”، إذ تُعدّ هذه المؤسسة، وهي منظمة رئيسة في جماعات الضغط المؤيدة لـ “إسرائيل”، من أشدّ المعارضين لخطة العمل الشاملة المشتركة (المعروفة أيضاً بالاتفاق النووي)، والتي قلّصت بشكل كبير قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم ومخزونها منه.
وبعد فشلها في إيقاف الاتفاق الأصلي، ساهمت المؤسسة في إقناع ترامب بالانسحاب منه خلال ولايته الأولى، رغم التزام إيران الكامل به، إذ حذّر النقاد من أن التخلي عن الاتفاق سيؤدي إلى استئناف إيران تخصيب اليورانيوم وأن الولايات المتحدة ستواجه في نهاية المطاف “قرار استخدام القوة”، بحسب المجلة، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية نشهدها اليوم، ولم يُقلق هذا الاحتمال دوبويتز، الذي صرّح لإذاعة “NPR” في أوائل شباط/ فبراير بأن على الولايات المتحدة “الضرب أولًا ثم التفاوض”، ومنذ ذلك الحين، دأبت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات “FDD” على التأييد للحرب، رغم تزايد الأدلة على خطأ ترامب في حساباته والخسائر البشرية التي خلّفتها الحرب في جميع أنحاء العالم.
ثم هناك مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، فرغم أن بولتون أصبح ينتقد ترامب بشدة، بما في ذلك إدارته للحرب، إلا أنه لطالما أيّد استخدام القوة لـ “الإطاحة بالنظام الإيراني” وعارض الجهود الدبلوماسية لتحسين العلاقات بين واشنطن وطهران، وفقاً لما نقلت المجلة.
وقد عارض الاتفاق النووي لعام 2015، ودعم حملة “الضغط الأقصى” الفاشلة خلال ولاية ترامب الأولى، وصرح لقناة “PBS” في أوائل آذار/ مارس 2026 بأن قرار الولايات المتحدة بشن الحرب في فبراير كان “مبرراً تماماً”، مضيفاً أن “العالم كان سيكون مكانًاً أكثر أماناً لو فعلنا ذلك قبل 20 عاماً”، على حد قوله، فعلى الرغم من خلافه مع ترامب نفسه، فإن بولتون يستحق أن يُدرج ضمن الأصوات التي ساهمت في اندلاع هذه الحرب، برأي “فورن بوليسي”.
“هذه الأسماء.. ليست الوحيدة”
واعتبرت المجلة أن هذه الأسماء ليست الأصوات البارزة الوحيدة التي دعت إلى مهاجمة إيران قبل 28 شباط/ فبراير 2026، والتي استمرت في الدفاع عن الحرب منذ ذلك الحين، فهناك سياسيين، مثل السيناتورين الجمهوريين ليندسي غراهام وتوم كوتون، بالإضافة إلى شخصيات إعلامية مثل مارك ليفين وشون هانيتي من قناة “فوكس نيوز”، وهناك شخصيات أخرى ساهمت في خلق مناخ سياسي دفع القادة الأميركيين إلى اتخاذ قرار جديد ببدء صراع مفتوح في منطقة “الشرق الأوسط”، فعلى الرغم من العواقب الوخيمة على الاقتصاد العالمي وقدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحديات الأمن القومي الأكثر خطورة، وهناك المزيد من الأسماء التي لم تُضَف بعد.
ووفقاً للمجلة، إذا انتهت الحرب بالفعل بهزيمة أميركية ساحقة، كما يبدو مرجحاً في الوقت الراهن، فمن المرجح أن يدّعي من دفعوا باتجاهها أن خوض الحرب كان القرار الصائب، وأنهم سيلومون ترامب، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جيه. دي. فانس، وغيرهم، على فشلهم في تنفيذ خطتهم المحكمة، لكن هذا التبرير لن يُقنع أحداً، إذ كان عجز الإدارة واضحاً قبل صدور أمر الهجوم، ولم يكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الحرب ستسير على ما يرام.
وإذا أراد الأميركيون التوقف عن تكرار الأخطاء نفسها، فعليهم أن يقللوا من اهتمامهم بهؤلاء الذين يُكثرون من تقديم النصائح الخاطئة، بحسب “فورن بوليسي”، فصحيح أن الرغبة في المساءلة قد تُبالغ فيها، لأن السياسة الخارجية مجالٌ غير مضمون النتائج، ولا أحد يُصيب دائماً، لكن العقلاء يُقرّون بأخطائهم ويتعلمون من تجاربهم، بينما يميل أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة والناشطون إلى التمسك بمواقفهم. عندما يُكرر أحدهم نفس الوصفات، ويحصل على نفس النتائج السيئة في كل مرة، ويبدو أنه لا يتعلم من أخطائه، فقد حان الوقت للبحث عن توجيهات أخرى.
واختُتم التقرير بالتأكيد على أهمية البدء بمحاسبة من ينشرون النصائح السيئة باستمرار بتحديد هويتهم وتتبع ما قالوه، متأملاً أن يلجأ الصحفيون الباحثون عن توجيهات الخبراء في تقاريرهم إلى مصادر أخرى بشكل متكرر، بدلاً من الاعتماد على الأسماء المألوفة في قوائم معارفهم، داعياً محرري المجلات التعامل مع آراء دعاة الحرب بمزيد من الشك، وتقليل الشبكات الإخبارية ومنصات البودكاست الساعية إلى تعليقات مستنيرة من عرض آراء هؤلاء المتنبئين الفاشلين، والأهم من ذلك كله، أن يعتمد صناع السياسات على رؤى ونصائح قيّمة.




