رأي

ترامب والبابا… معركة على روح القيم لا على السياسة

مجيب الحميدي – العربي الجديد:

قد تبدو التصريحات الهجومية التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، للوهلة الأولى، وكأنّها دفاع متأخّر عن نقاء المجال السياسي من أيّ تدخّل ديني، وقد يندفع بعضُهم إلى قراءتها لحظة انتصار للعلمانية التي تحمي الدولة من وصاية الكنيسة، غير أنّ هذا الانطباع سرعان ما يتبدّد عندما ننظر بتمعّن إلى طبيعة الخطاب نفسه، وإلى السياق الذي يتحرّك فيه. فالمشكلة هنا ليست في رفض تدخّل الدين في السياسة، بل في محاولة إعادة تعريف الدين نفسه داخل المجال السياسي بما يجعله تابعاً للسلطة لا رقيباً عليها، أداةَ تعبئةٍ لا ضميراً نقدياً. عند هذه النقطة تحديداً نفهم أنّ ما يجري ليس انتصاراً للعلمانية، بل تحوّل خطير في طبيعتها ووظيفتها.
فجّرت تصريحات ترامب التي انتشرت في نطاق واسع في إبريل/ نيسان الحالي، ورفض فيها أن “ينتقد البابا رئيس الولايات المتحدة”، مواجهةً تتجاوز حدود السجال الشخصي أو التوظيف الانتخابي العابر. نحن هنا أمام لحظة كاشفة لانقسام عميق بين رؤيتَين للعالم: واحدة ترى أنّ الشرعية تُختزل في الإرادة السياسية التي يُعبّر عنها القائد المُنتخَب، وأخرى تصرّ على أنّ هناك قيماً لا تخضع للتصويت ولا تُعاد صياغتها وفق المزاج السياسي. الأولى تميل إلى احتكار المعنى وإغلاقه، والثانية تحاول الدفاع عن حدّ أدنى من المعنى المشترك الذي لا يجوز انتهاكه.

التحدّي اليوم هو بناء توازن بين الدين والسياسة يحفظ للمؤسّسات استقلالها

في هذا السياق، لا يهاجم ترامب الدين باعتباره تدخّلاً في السياسة، بل يهاجم شكلاً معيّناً من حضور الدين، ذلك الحضور الذي يحتفظ بمسافة نقدية من السلطة. إنّه لا يريد بابا يذكّره بحدود القوة، بل يريد خطاباً دينياً منسجماً مع أولوياته، يبارك قراراته، ويعيد إنتاجها في لغة أخلاقية. وهنا تنقلب المعادلة، فبدلاً من حماية السياسة من هيمنة الدين، يجري توظيف الدين لحماية السلطة من أيّ مساءلة أخلاقية. وهذا، في جوهره، ليس علمنةً للسياسة، بل تأميم للدين. وكأنّنا ننتقل من علمانية “ما لله لله وما لقيصر لقيصر” إلى شعبوية “ما لله وما لقيصر لقيصر”، فيبتلع القائد والزعيم الفضاءَين معاً تحت عباءة سلطته المطلقة.
لفهم أعمق لهذه اللحظة، لا يكفي أن نقرأها في إطارها الآني، بل ينبغي أن نُعيد ربطها بتحوّلات أطول في تاريخ العلاقة بين الدين والسلطة. فقد عرف التاريخ الأوروبي صراعات طويلة بين “العرش والمذبح”، كان أشهرها النزاع حول من يملك حقّ منح الشرعية، ومن يملك الكلمة العليا في تنظيم الحياة العامة. غير أنّ ما نراه اليوم لا يشبه تلك الصراعات في صورتها التقليدية، بل يمثّل نسخةً أكثر تعقيداً ممّا يمكن تسميته صراعاً “ما بعد علماني”، فلم يعد النزاع بشأن السيطرة المؤسّسية، بل حول تعريف القيم ذاتها، ومن يملك حقّ تسميتها وضبط حدودها.
لا تعادي الدولة الشعبوية المعاصرة الدين كما فعلت بعض نماذج الحداثة الصلبة، بل تسعى إلى إعادة تشكيله. فهي تحتاج إلى الدين باعتباره مورداً رمزياً قادراً على تعبئة الجماهير، لكنّها لا تقبل به سلطةً مستقلّةً. تريد ديناً منزوع القدرة على النقد، قابلاً للتكيّف، جاهزاً للاستخدام. وفي المقابل، يظهر خطاب ديني مختلف، لا يسعى إلى استعادة السلطة السياسية، بل يتمسّك بوظيفته الأخلاقية، باعتباره صوتاً يذكّر بأنّ الإنسان ليس مجرّد أداة في حسابات الدولة، وأنّ هناك حدوداً لا ينبغي للسلطة تجاوزها مهما امتلكت من شرعية.
يعكس هذا التوتّر، في أحد أبعاده، أزمةً داخل العلمانية نفسها، فالعلمانية التي نجحت في تحييد الدين عن مؤسّسات الدولة، لم تنجح دائماً في بناء مرجعية أخلاقية بديلة تحمي الإنسان من تغوّل السلطة. ومع صعود الشعبوية، بدأت القيم تتحوّل إلى موضوع تفاوض، وأصبح من الممكن تبرير سياسات قاسية أو إقصائية باسم الإرادة الشعبية أو الأمن القومي. في مثل هذا السياق، لا يبدو مستغرباً أن تعود بعض المرجعيات الدينية لتلعب دوراً أخلاقياً، لا باعتبارها بديلاً من الدولة، بل باعتبارها قيداً عليها.
ولا تتوقّف خطورة هذا التحوّل عند حدود الغرب، بل تمتدّ إلى مناطق أكثر هشاشةً، حيث تتداخل السياسة بالدين والتاريخ بالهُويّة، كما هو الحال في العالم العربي. ففي بيئةٍ مثقلةٍ بالصراعات، يصبح للغة المستخدمة في توصيف النزاعات أثر بالغ الخطورة. وحين يُستدعى الخطاب الديني لتبرير سياسات أو مواجهات، فإنّ ذلك لا يظلّ مجرّد اختيار لغوي، بل يعيد تشكيل طبيعة الصراع ذاته، ويمنحه بعداً هُويّاتياً مغلقاً يصعب احتواؤه أو تفكيكه.
تحويل النزاعات السياسية إلى مواجهات ذات طابع ديني لا يضعف الخصوم كما قد يُظن، بل يمنحهم سرديةً جاهزةً للتعبئة وإعادة إنتاج الذات. فالقوى التي تبني مشروعها على فكرة المواجهة الحضارية أو المظلومية التاريخية تجد في هذا الخطاب ما يعزّز موقعها ويمنحها شرعيةً إضافيةً. وبدلاً من أن تُناقش سياسياً أو تُنتقد فكرياً، تتحوّل إلى طرفٍ في معركة كبرى، ما يسهّل عليها تجنيد الأنصار وتوسيع دائرة التأييد.
في سياق الدول العربية التي عانت التدخّلات الإقليمية، تبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية، فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط الصراعات قد تنجذب، بدافع الإحباط أو الحاجة إلى الحسم، إلى الخطابات الحادّة التي تعد بالقوة والوضوح. غير أنّ التجربة تفيد بأنّ هذا النوع من الخطاب، خصوصاً حين يتلبّس بالدين، لا يؤدّي إلى تفكيك الأزمات، بل إلى تعقيدها، إذ ينقل الصراع من مستوى المصالح إلى مستوى العقائد، فيصبح التراجع مستحيلاً، والتسوية خيانةً. ومن زاوية أخرى، تضع هذه التحوّلات النُّخب العربية أمام مأزق حقيقي، فالنموذج الذي كان يُقدَّم مرجعاً لبناء الدولة المدنية لم يعد يحتفظ بالوضوح نفسه، مع تصاعد مظاهر التداخل بين الدين والسياسة في بعض التجارب الغربية. وهذا لا يعني سقوط فكرة الدولة المدنية، بقدر ما يكشف الحاجة إلى إعادة صياغتها على أسس أكثر عمقاً، تميّز بين القيم الكونية التي ينبغي الدفاع عنها والممارسات السياسية التي قد تنحرف عنها.

كشفت المواجهة بين ترامب والبابا أنّ العلمانية ليست ضمانةً تلقائيةً للحرّية إن لم تُدعَم بمنظومة قِيَميّة

التحدّي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتمثّل في الاختيار بين دين مُسيّس وعلمانية جوفاء، بل في بناء توازن جديد يحفظ للمؤسّسات استقلالها، ويضمن، في الوقت نفسه، حضوراً أخلاقياً فاعلاً في المجال العام. فالفصل بين الدين والدولة لا ينبغي أن يُفهم فصلاً بين السياسة والجوهر القيمي، كما أنّ حضور الدين لا ينبغي أن يتحوّل إلى أداة فرض أو إقصاء، بل إلى أفق نقدي يذكّر بحدود القوة.
في هذا الإطار، يمكن فهم بعض المواقف الدينية المعاصرة باعتبارها محاولةً لاستعادة هذا الدور الأخلاقي، لا سلطةً بديلةً، ولكن صوتاً يذكّر بحدود القوة. وحين يتمسّك هذا الخطاب بقيم مثل كرامة الإنسان أو رفض الحروب غير المُبرَّرة، لا ينافس الدولة، بل يضع أمامها مرآة أخلاقية قد تفتقدها في لحظات التوتّر. ما نعيشه اليوم ليس مجرّد خلاف بين سياسي ورجل دين، بل لحظة إعادة تشكيل للعلاقة بين السلطة والقيم. وفي قلب هذه اللحظة، يقف سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: هل تُعرَّف القيم من داخل الدولة، أم تبقى هناك مرجعيةٌ تتجاوزها؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد، إلى حدّ بعيد، شكل العالم في السنوات المقبلة، كما ستحدّد مسار التحوّلات في منطقتنا.
كشفت هذه المواجهة أنّ المشكلة ليست في حضور الدين في المجال العام، بل في طبيعة هذا الحضور: هل هو نقدي يذكّر بكرامة الإنسان، أم حضور وظيفي يُستخدم لتبرير السياسات؟ كما كشفت أنّ العلمانية ليست ضمانةً تلقائيةً للحرّية، إذا لم تُدعَم بمنظومة قِيَميّة تحصّنها. وبين هذين الحدَّين يتحدّد التحدّي الحقيقي، ليس في الغرب فقط، بل في العالم العربي الذي يقف عند تخوم هذه التحوّلات، متأثّراً بها، ومعنياً بإعادة التفكير في مساراته الخاصّة.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلّق الأمر بمن ينتصر في هذا السجال، بقدر ما يتعلّق بما إذا كان العالم قادراً على الحفاظ على فكرة أنّ هناك قيماً لا ينبغي أن تُختزل في حسابات القوة. فإذا فُقدت هذه الفكرة، فلن يبقى من السياسة سوى إدارة المصالح، ولن يبقى من الدين سوى صدى لها. أمّا إذا أمكن استعادتها، فقد يكون بالإمكان بناء أفق جديد لا تُختزل فيه الكرامة في حدود الدولة، ولا تختطف فيه الدينَ قوىً تسلطيّةٌ كهنوتيةٌ، بل تبقى إنسانية الإنسان وتتميم مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية هي المعيار الذي تُقاس به الأشياء جميعاً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى