ترامب ارتكب خطأً كارثياً

كون كوفلين – مجلة “ذا تلغراف” البريطانية:
إنّ السبب الرئيسي لارتفاع تكاليف الطاقة هو حرب الرئيس على إيران، وليس أوكرانيا، والناخبون الأميركيون سيعاقبون ترامب على ذلك.
من قبيل التقليل من شأن الخلاف القول إنّ دونالد ترامب لم يكن يوماً على وفاق مع قائد أوكرانيا في زمن الحرب، فولوديمير زيلينسكي. لكنّ قرار الرئيس الأميركي الاعتباطي بإبرام صفقة مع روسيا لتوفير إمدادات الديزل التي تشتدّ الحاجة إليها يُعدّ خطوة تجاوزت كلّ الحدود، بينما بدا أنّ إعلانه اللاحق عن وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، واتفاقهما على وقف استهداف البنية التحتية للطاقة لدى كلٍّ منهما، كان أمراً وهمياً بالكامل.
يهدف ترامب إلى خفض تكاليف الطاقة الأميركية المتصاعدة قبل انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل. لكنّ اتفاقه مع فلاديمير بوتين قوبل باستياء شديد من قادة غربيين آخرين، الذين استشاطوا غضباً لأنّه، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات، ألقى ترامب طوق نجاة للكرملين.
ستوفّر روسيا 300 ألف طن من الديزل كدفعة أولى للأسواق الأميركية والعالمية لتخفيف النقص الحالي، مع وعد بتوفير 1.5 مليون طن إضافية بحلول نهاية العام. وهذا لا يحتاج إلى فكّ شيفرة، فهو يمزّق تماماً العقوبات الاقتصادية التي صاغها الغرب بعناية ضدّ موسكو منذ أن أطلق بوتين غزوه لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. فالصفقة، على أقلّ تقدير، تعني أنّه في الوقت الذي يكافح فيه الاقتصاد الروسي للتكيّف مع التداعيات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، يمكن للكرملين أن يتطلّع إلى تجديد موارده المالية من خلال هذا التدفق الجديد وغير المتوقّع للدخل.
كما سيدفع الأوكرانيون العاديون حياتهم ثمناً لانخفاض أسعار الديزل العالمية. وبينما لم يتردّد القادة الغربيون في إدانة خيانة ترامب، عليهم أيضاً أن يدركوا أنّ دافع الرئيس الأميركي للتفاوض مع بوتين لا يقتصر على رغبته في تخفيف الضغط على أسعار الطاقة المحلية، بل إنّ ذلك يمثّل خطوة أخرى في حملة ترامب الانتقامية طويلة الأمد ضدّ زيلينسكي، والتي تعود إلى ولايته الأولى في البيت الأبيض، حين امتنع الرئيس الأوكراني، وهو أمر منطقي تماماً، عن التحقيق مع جو بايدن، منافس ترامب السياسي على الرئاسة.
لقد ظلّت العداوة بين الرجلين كامنة تحت السطح لسنوات، وبلغت ذروتها في المشادّة الشهيرة في المكتب البيضاوي العام الماضي. وعلى الرغم من استمرار دعم المجهود الحربي الأوكراني إلى حدّ ما، فإنّ العلاقات ظلّت متوتّرة، إلى درجة أنّ ترامب دعا مراراً وتكراراً زيلينسكي إلى التنحّي وإفساح المجال لزعيم جديد، يكون أكثر استجابة لرغبته في إنهاء الصراع الأوكراني من خلال إجبار كييف على الاستسلام لمطالب بوتين الحربية القصوى.
وكان عداء ترامب تجاه زيلينسكي واضحاً للغاية في التعليقات الأخيرة التي أدلى بها، إذ ألقى باللوم على إصرار زيلينسكي على مواصلة استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، معتبراً إيّاه السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الديزل، وطالب أوكرانيا “بالتوقّف تماماً” عن هجماتها إذا أرادت من الغرب الحفاظ على دعمه. ولزيادة التأكيد، كرّر ترامب مطالبته للأوكرانيين بأن “يحصلوا على زعيم جديد قادر على إبرام صفقة”، في إشارة إلى مبادرة السلام المتعثّرة التي أطلقتها واشنطن.
ومن المرجّح أن تتسبّب خطة ترامب بشأن الديزل مع بوتين، والتي يمكن القول إنّها تمثّل إهانة أكبر بكثير من إهانة زيلينسكي في الخلاف الذي وقع في المكتب البيضاوي العام الماضي، في إلحاق ضرر أكبر بكثير بمكانة ترامب العالمية مقارنةً بمكانة زيلينسكي. وبصرف النظر عن النقطة الواضحة للغاية، وهي أنّ مبادرة ترامب مع بوتين تشكّل تنازلاً هائلاً عن القضية الأوكرانية، فمن السخف أن يُلقي الزعيم الأميركي باللوم على زيلينسكي في أزمة الديزل، لأنّ السبب الرئيسي لارتفاع التكاليف هو حرب ترامب ضدّ إيران، التي لا علاقة لها بأوكرانيا.
وبالنظر إلى أنّ ما يزيد قليلاً على 3 أسابيع فقط يفصلنا عن انتخابات التجديد النصفي، ثمّة شكوك بشأن ما إذا كانت أي إمدادات إضافية من الديزل يمكن أن تقدّمها روسيا ستؤثّر بصورة ملحوظة في أسعار الطاقة العالمية قبل يوم الانتخابات. وفي هذه الحالة، سيحمّل الناخبون الأميركيون ترامب مسؤولية الارتفاع الحاد في فواتير منازلهم، وليس زيلينسكي.




