تخبّط الحسابات الأميركية: كيف تحوّل رهان تغيير النظام في طهران إلى خطة “لاحتواء النصر”؟

السيد شبل – الميادين:
الصمود الإيراني مؤشر على رسوخ مؤسسات الدولة وفشل الضغوط الأميركية في تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية.
لم تكن الحسابات الأميركية يوماً دقيقةً في فهم بنية جمهورية إيران الإسلامية؛ فالصدمة الاستراتيجية التي حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحداثها عبر استهداف القيادة الإيرانية على أعلى المستويات، في محاولة تقويض النظام السياسي أو إرغامه على الاستسلام وتغيير سلوكه الإقليمي، تحوّلت إلى مجرد وهم سياسي سرعان ما تبدّد أمام واقع المؤسسات الإيرانية.
مؤسسية الدولة وتأكيد السيطرة على مضيق هرمز
كانت واشنطن تعتقد أن غياب القادة البارزين سيعمّم الفوضى ويفكك مفاصل القرار في طهران، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً. لقد أثبتت إيران أنها دولة مؤسسات راسخة، وليست قائمة على الأفراد؛ حيث تولّى رجال “الصف الثاني والثالث” مقاليد الأمور بسلاسة وثبات، مواصلين النهج ذاته بروح أكثر صلابة. هذا الانتقال المنظم أفشل الهدف الأميركي المباشر، وأظهر أن المؤسسة السياسية والعسكرية في إيران تمتلك مرونةً واحتياطياً قيادياً قادرين على إدارة أعتى الأزمات.
ولم تقتصر الخسارة الأميركية عند حد فشل تغيير النظام، بل امتدت إلى تثبيت واقع جيوسياسي جديد فرضته طهران. لقد خرجت إيران من هذه المواجهة وهي أكثر تمسكاً، وممارسةً لحقها السيادي الكامل، بالشراكة مع سلطنة عُمان، في إدارة وتأمين مضيق هرمز؛ الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
إن هذا التثبيت للسيادة الإيرانية على المضيق شكّل أكبر مصدر إزعاج وتوتر للإدارة الأميركية ولترامب شخصياً، إذ أدرك الأخير أن أدوات الضغط العسكري لم تُفقد إيران قوتها، كما كان مخططاً، بل مكّنتها من تحويل التهديد إلى فرصة لتعزيز نفوذها البحري، وهو ما يفسر رغبته الدائمة في معاودة الضربات للتغطية على هذا الفشل الميداني.
الاستراتيجية الأميركية البديلة: محاولات لاحتواء تداعيات الصمود الإيراني
أمام هذا المأزق الجيوسياسي، تتجه الإدارة الأميركية إلى اعتماد خطة قائمة على أدوات الحرب السيبرانية، والنفسية، والدبلوماسية، بهدف “محاصرة مفاعيل النصر الإيراني” عبر ثلاثة محاور أساسية:
أولاً، التشويه الإعلامي وتزييف طبيعة الضربات
لقد كسبت إيران احتراماً وشعبيةً واسعةً في الشارع العربي والأنحاء الإقليمية، كونها الطرف الصامد الذي يقف في وجه الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، الخصمين التاريخيين للأمة. ورغم كل محاولات التجييش الطائفي والمذهبي السابقة، إلا أن تلك الورقة سقطت أمام وضوح المعركة.
لذا، تسعى الآلة الإعلامية الغربية ومواقع التواصل الاجتماعي اليوم إلى تشويه صورة إيران عبر ترويج شائعات تدعي أن الضربات الإيرانية تستهدف دولاً عربية أو مصالحها. والحقيقة الساطعة هي أن الضربات الإيرانية كانت، وما زالت، تستهدف حصراً القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية، وتتحرى طهران دائماً عدم المساس بأمن أي دولة جارة أو شقيقة.
ثانياً، فوضى “توسيع نطاق الحرب” وتوريط الوسطاء
تدرك واشنطن أن مواجهتها المباشرة مع إيران ومحورها أصبحت مكلفة، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يفرض عليها أثماناً سياسيةً، وعسكريةً، واقتصاديةً، يصعب تحمّلها على المدى الطويل. لذلك، يبدو أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في إشاعة الفوضى وتوسيع دائرة الصراع، عبر دفع أطراف إقليمية ودول وسيطة إلى أتون الحرب، بما يتيح نقل المواجهة من إطارها المباشر إلى مساحة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من حيث المسؤولية والنتائج.
فالهدف الأميركي، وفق هذا التصور، هو تحويل الصراع من مواجهة محددة المعالم بين (إيران ومحور المقاومة) من جهة، و(الولايات المتحدة وإسرائيل) من جهة أخرى، إلى حرب متعددة الأطراف، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وتتعدد فيها ساحات الاشتباك والجهات المنخرطة فيه. وفي مثل هذه الحالة، يصبح تحديد المسؤولية عن التصعيد أكثر صعوبة، بينما تتسع دائرة الخسائر لتشمل دولاً لم تكن طرفاً أصلياً في الصراع. ومن شأن هذا السيناريو أن يستنزف دولاً عربيةً وإقليميةً مستقرةً، بدرجة أوبأخرى، اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، ويضعها أمام أزمات أمنية واقتصادية متلاحقة، فضلاً عن تهديد مصالحها الحيوية، وممراتها التجارية، وأمنها الداخلي.
لكن الرهان الإيراني، في المقابل، يقوم على وعي القيادات السياسية في المنطقة، ولا سيما في الدول الوازنة التي تدرك حساسية المرحلة، وتفطن إلى مخاطر الانجرار وراء أي تصعيد غير محسوب. فهذه الدول تملك من الخبرة السياسية ما يكفي للتمييز بين الدفاع عن أمنها القومي، وبين التحول إلى طرف في مواجهة لا تخدم مصالحها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على قنوات الاتصال والوساطة، والتمسك بسياسة التهدئة، قد يمثلان أحد أهم السبل لإفشال أي محاولة لتوسيع الحرب. فالدول العربية القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف تستطيع أن تؤدي دوراً أكثر فاعليةً باعتبارها جسراً للحوار، لا ساحةً للصراع، وأن تفوّت الفرصة على واشنطن من خلال رفض تحويل أراضيها، أو إمكاناتها، أو علاقاتها الإقليمية، إلى أدوات في حرب لا تخدم إلا المصالح الأميركية والإسرائيلية.
وفي النهاية، فإن منع اتساع رقعة المواجهة لا يحمي المنطقة من حرب مدمرة فحسب، بل يحافظ أيضاً على استقلال القرار السياسي للدول العربية، ويمنحها فرصةً أكبر للتعامل مع التطورات وفق مصالحها الوطنية، بعيداً عن ضغوط الاستقطاب الدولي.
ثالثاً، اللعب على ورقة الداخل والاقتصاد
الورقة الأخيرة التي تحاول واشنطن تحريكها هي اختراق الداخل الإيراني عبر تحريك ملف “الأقليات”، ودعم الجماعات المعارضة، والمجموعات الكردية على الحدود. غير أن دونالد ترامب، بسلوكه السياسي المتهور، تسرّع وتورّط بالإشارة العلنية إلى الدور الكردي، والتلميح إلى تسليح تلك المجموعات، ليحرق بذلك أوراقه بنفسه كشخص يفتقر إلى الدهاء الاستراتيجي.
إن هذا التخبط الأميركي أعطى الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الإيرانية الضوء الأخضر، والحجة القانونية والسياسية الكاملة، للتعامل الحاسم مع هذا الخطر وتفكيكه في مهده؛ والمقصود هنا، طبعاً، ليس أبناء الشعب الكردي، بل المجموعات المسلحة المحسوبة على الأجندتين الأميركية والإسرائيلية في المناطق الحدودية القريبة من العراق.
كما أن هذا الرهان الأميركي يغفل حقيقةً ثابتةً؛ وهي أن الشعب الإيراني، بمختلف أطيافه، يزداد تلاحماً مع قيادته ومؤسساته في أوقات التهديدات الخارجية، وتزداد الجبهة الداخلية صلابةً في مواجهة الضغوط.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أصبحت إيران أكثر إصراراً وقدرةً على الالتفاف على العقوبات وتجاوزها؛ حيث يبرز الدور الصيني الاستراتيجي، إلى جانب الدعم الروسي، داعماً أساسياً للاقتصاد الإيراني عبر تفعيل الاتفاقيات التجارية والاستثمارية، وشراء النفط، ما يضمن تدفق الموارد المالية لطهران. يُضاف إلى ذلك العوائد المالية واللوجستية الناتجة عن سيطرة إيران المُحكَمة والمستحقة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.




