
حسين زلغوط – خاص, “رأي سياسي”:

برزت أمس ملامح تباين واضح بين الرياض وبيروت على خلفية توجه الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام نحو الانخراط في مسار تفاوضي دون تأمين غطاء عربي جامع. هذا التباين لم يأتِ من فراغ، بل يعكس اختلافاً في مقاربة إدارة الأزمات، وفي فهم طبيعة التوازنات الإقليمية التي تحكم أي عملية تفاوضية، خصوصاً عندما يكون الطرف المقابل هو إسرائيل.
الانتقاد السعودي، في جوهره، يتجاوز الشكل إلى المضمون. فالمملكة، التي لطالما دعت إلى تنسيق عربي مشترك في القضايا المصيرية، ترى أن أي تفاوض منفرد يضعف الموقف الجماعي ويمنح الطرف الآخر هامشاً أوسع للمناورة. من هذا المنطلق، تبدو الرياض حريصة على إعادة تثبيت مبدأ “الإجماع العربي” كشرط أساسي قبل الانخراط في مفاوضات حساسة، لا سيما في ظل بيئة إقليمية متقلبة تتداخل فيها الملفات من غزة إلى جنوب لبنان.
في المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية محكومة باعتبارات داخلية وضغوط ميدانية تدفعها نحو تسريع وتيرة التحرك، حتى ولو جاء ذلك على حساب التنسيق العربي الكامل. فلبنان، الذي يرزح تحت أزمات اقتصادية خانقة وتهديدات أمنية مستمرة، يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إما انتظار توافق عربي قد يتأخر، أو المبادرة إلى التفاوض لتخفيف وطأة الضغوط المباشرة. هذا الخيار، وإن كان مفهوماً لدى البعض، إلا أنه يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة لبنان على تحصيل مكاسب فعلية في ظل غياب دعم عربي موحد.
في رأي مصدر سياسي أن التباين بين الطرفين يعكس أيضاً اختلافاً في قراءة موازين القوى. فالسعودية، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي، تنظر إلى التفاوض كأداة يجب أن تُدار من موقع قوة جماعية، فيما يجد لبنان نفسه في موقع أكثر هشاشة، ما يدفعه إلى اعتماد مقاربة تقوم على تقليل الخسائر بدلاً من تحقيق المكاسب. هذا الفارق في الموقع يفسر إلى حد كبير سبب التوتر في المواقف، ويعكس فجوة أوسع في الرؤية الاستراتيجية بين البلدين.
وفي اعتقاد المصدر أنه لا يمكن فصل هذا السجال عن التحولات الإقليمية الأوسع. فمع إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة، تسعى العديد من الدول إلى إعادة تعريف أدوارها ومواقعها، ما يجعل أي خطوة منفردة عرضة للتفسير السياسي، وربما للانتقاد. ويبدو أن الرياض تخشى من أن يؤدي المسار اللبناني المنفرد إلى خلق سابقة قد تُضعف الموقف العربي في ملفات أخرى، بينما ترى بيروت أن خصوصية وضعها تبرر اتخاذ خطوات استثنائية.
ويعتبر المصدر أن الأخطر في هذا المشهد هو الانعكاس الداخلي في لبنان نفسه. فغياب الإجماع العربي يتقاطع مع انقسامات داخلية حادة حول جدوى التفاوض وشروطه، ما قد يضعف الموقف اللبناني على طاولة المفاوضات. إذ إن أي تفاوض ناجح يحتاج إلى حد أدنى من التماسك الداخلي والدعم الخارجي، وهما عنصران لا يبدو أنهما متوافران بشكل كافٍ في المرحلة الحالية.
وفي رأي المصدر نفسه أن لبنان يقف أمام اختبار دقيق: كيف يوازن بين حاجته الملحة للتحرك وبين ضرورة الحفاظ على عمقه العربي؟ وفي المقابل، تواجه السعودية تحدي كيفية دعم الاستقرار اللبناني دون التفريط بمبدأ العمل العربي المشترك. بين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث لن يكون التفاوض مجرد عملية تقنية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها ضمن إطار يحفظ الحد الأدنى من التوازنات.
وفي انتظار ما ستؤول إليه هذه التجاذبات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتمكن العرب من إعادة صياغة مقاربة موحدة تعيد الاعتبار للعمل الجماعي، أم أن منطق المبادرات الفردية سيطغى، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة الموقف وفعالية التفاوض؟




