بين سوريا ولبنان: هل تُعيد المشاريع الدولية “وحدة المسار”؟

فيما تتأرجح سوريا ولبنان “الجديدان”، بين التأثيرات الإقليمية والعالمية الحسّاسة جدًّا، وبين المطالب الدولية عالية السقف، يواجه كل منهما واقعًا داخليًّا يشبه إلى حد كبير، القنابل والألغام التي من الممكن أن تنفجر في وجه الجميع في أي لحظة.
جو غانم – الميادين:
وسط هشاشة أمنية وسياسية واجتماعية بالغة الوضوح، تتشظّى “المسألة السورية” يومًا بعد يوم، حتى تكاد تتحوّل إلى عدد كبير من القضايا المتشابكة والمعقدة، والتي لا يبدو أنها تنتظر حلولًا في المدى المنظور.
وحيث كان من الممكن القول عند بداية الحرب على إيران وقوى المقاومة، والتي كشفت وعرّت الواقع الإقليمي كما لم تفعل أي معركة من قبل، إنّ الواقع السوري المعقد، أشبه بمرآةٍ أو صورة مصغّرة عن الواقع الإقليمي.
بيد أن الأمور ازدادت سوءًا خلال الشهرين الأخيرين في الداخل، وذلك في الوقت الذي كان بعض السياسيين والمنظّرين السوريين والعرب، يرون في هذه الحرب فرصة لإظهار دور سوريا وأهمية موقعها، وبالتالي إثبات الحاجة إليها بشكل عملي، بكل ما سوف يترتب على ذلك من “فوائد” ومكاسب موعودة.
لكن حروب ومشاريع ترامب – نتنياهو، أثبتت، وما تزال، عدم جدوى إخضاعها لمقاربات المنطق السياسي، أو تناولها من خلال أدوات التحليل التقليدية. فالرجل الذي يقود أكبر قوة عسكرية وسياسية في العالم الآن، والذي يتحدث ببساطة بالغة الدلالة عن عزمه “تدمير الحضارة الإيرانية” أو “إعادة إيران إلى العصر الحجري”، ثم يعود بعد ساعات للبحث عن “صفقات” مُربحة لوقف الحرب، من دون أن يبالي ما إذا كان بعض حلفاء بلاده الأساسيين في المنطقة، من ضمن الخسائر الهامشية للصفقة.
والذي كان قد تحدث بصفاقة عجيبة قبل سنوات قليلة عن إهداء “الجولان” السوري المحتل لـ”إسرائيل”، بعد تقدير ثمنه بعدة مليارات من الدولارات، هذا الرجل لا يُفكّر الآن في سوريا إلّا بقدر ما يستطيع رجلهُ هناك، توم براك، تقديمها كجزء من صفقة. وهذا صعب جدًّا في الحالة السورية، لأنّ “الشريك” الأساسي، نتنياهو، يريد ربحًا صافيًا وخالصًا هنا.
وقد أدرك السياسي اللبناني المخضرم، وليد جنبلاط، هذا الأمر، وعبّر عنه بوضوح خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق، حين قال إنّ “الذين وحّدوا سوريا أيام سلطان باشا الأطرش، لن يستجيبوا لدعوات نتنياهو”، وذلك في إشارة منه إلى الحالة المستعصية في محافظة السويداء والاستغلال الإسرائيلي لها.
ويبدو من خلال التسريبات التي تلت الزيارة، أنّ دمشق أيضًا تدرك ذلك، وذلك من خلال الحديث الذي نُقل عن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، خلال لقائه مع جنبلاط، والذي اعتبر فيه أن انتصار الإسرائيليين في الحرب على إيران، سيعني أن دمشق هي التالية. وكذلك الحديث عن انتهاء حالة “العداء” مع المقاومة الإسلامية اللبنانية المتمثلة بحزب الله.
لكنّ الأمور في سوريا الحالية، التي لا تعتمد أو تتبنّى أي “ثوابت” أو مبادئ سياسية استراتيجية حتى الآن، لا يمكنها أن تقف عند هذا الوضوح، فللشأن السياسي السوري مسارات عديدة، بعضها متناقض مع الآخر تمامًا.
وليس أدلّ على ذلك من زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى دمشق. وهي الزيارة التي أُخرِجَت إعلاميًّا على الجانب السوري، بالصيغ التقليدية المتوقعة، التي تتحدث عن تطوير العلاقات بين البلدين والتعاون في شتى المجالات. بينما يفيد الواقع بأنّ المسار التفاوضي مع “إسرائيل”، الذي تتبناه القيادة اللبنانية الجديدة، كان الأكثر حضورًا على الطاولة في دمشق.
فالمطلوب هنا، بحسب المعلومات، هو التنسيق السوري – اللبناني لإنجاح هذا المسار كما تطلبه الولايات المتحدة، إلى الدرجة التي ينقل البعض عن احتمال أن نرى قريبًا، وضمن خطوات هذا المسار، ممثلين عسكريين لبنانيين وسوريين وإسرائيليين، يجلسون معًا إلى طاولة واحدة، يدرسون وضع “خطط” تطبيق هذا “السلام” عمليًّا.
هذا إلى جانب التنسيق المتعلق بـ “السلام الاقتصادي” الذي يَعد بمناطق استثمارية “عالمية” في الجنوبين السوري واللبناني. وهنا، اكتفى سلام في بيانه حول الزيارة، بالحديث عن “إحراز تقدم كبير” في معالجة “قضايانا المشتركة، لا سيما في مجالات الاقتصاد والطاقة والنقل والأمن”، وبحث “التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظلّ التطورات الإقليمية المتسارعة”، و”التشاور على الصعيد السياسي” وتشكيل لجان مشتركة وتكثيف التواصل الوزاري. ولم ينس سلام أن يؤكد على “النديّة” في كل هذا. وهنا تحديدًا، يدرك رئيس الوزراء اللبناني أن بإمكانه إشغال الرأي العام بجمل قصيرة من قبيل الحديث عن الحوار والتعاون “من دولة لدولة”.
والواقع بالغ الدلالة بدوره أيضًا، أنّ ما بين زيارة الوزير السابق وليد جنبلاط، وما رشح عنها من كلام إيجابيّ، وبين زيارة رئيس الوزراء، نواف سلام، التي تحمل دلالات ووقائع مناقضة، قد جرى ما يمكن أنْ يؤشّر بشكل أوضح إلى المسار الحالي المطلوب دوليًّا، بعيدًا عن الشعارات والأمنيات. فقد أعلنت السلطات السورية عن اعتقال “خليّة أمنية” مرتبطة بحزب الله، تخطط لأعمال عدائية داخل البلاد. ونشرت السلطات صورًا لبعض المعتقلين.
وبعد تدقيق بسيط للحدث، يتبيّن أنّ بعض أصحاب تلك الصور قد تمّ اعتقالهم منذ أشهر تحت ذرائع مختلفة وتُهم مغايرة. بل إن بعضهم قد سلّم نفسه خلال الهجوم العسكري السوري على مناطق شرق الفرات في كانون الثاني / يناير من هذا العام، والذي أفضى إلى الاتفاق مع “قسد” بتوجيه وإشراف دوليين. وتلك كانت المرة الثانية خلال شهر، التي تُعلن فيها السلطات السورية عن اعتقال خلايا من هذا النوع. ليعود حزب الله إلى التأكيد مرة جديدة، عدم وجود أي نشاطات له في سوريا، أو أي ارتباطات بأفراد أو خلايا تعمل ضد الدولة السورية.
وفيما تتأرجح سوريا ولبنان “الجديدان”، بين التأثيرات الإقليمية والعالمية الحسّاسة جدًّا، وبين المطالب الدولية عالية السقف، يواجه كلٌّ منهما واقعًا داخليًّا يشبه إلى حد كبير، القنابل والألغام التي من الممكن أن تنفجر في وجه الجميع في أي لحظة. والأخطر هنا، أنّ الإدارتين في البلدين، ساهمتا وتساهمان بشكل مباشر، أو عن طريق غضّ الطرف، في تسخين الأرض تحت أطنان المتفجرات الاجتماعية تلك.
فالتحريض الطائفي في سوريا، بلغ أقصى درجة تشهدها البلاد في تاريخها. حيث تتعرض بعض المكونات إلى حملات تدعو إلى الإبادة والإلغاء الاجتماعي، لا السياسي فقط. ويتخلل هذا عمليات قتل وخطف واعتقال وتصفيات في الشوارع وتسريح من الوظائف ونبذ اجتماعي.
بل ودعوات “دينية” تؤكد بشكل علنيّ واضح على أن “الشعب السوري ليس واحدًا، ويجب أن لا يكون كذلك”. في الوقت الذي يغلي المجتمع فوق نار الغلاء الفاحش، ويعجز المواطن السوري عن تأمين متطلبات عيشه الضرورية، في حضور شعارات ووعود رنانة تتحدث عن المليارات القادمة، وغياب أي أفق عمليّ عن واقع الاقتصاد السوري حتى اللحظة.
وفي الوقت الذي كان السوريون ينتظرون تغييرات جذرية على المستوى الوزاري، كما على المستويات الإدارية التي تعاني خللًا كبيرًا في الخطط والأداء العملي. أصدر الرئيس أحمد الشرع مساء السبت عدة مراسيم رئاسية تضمّنت تغييرات قضت باستبدال بعض الوزراء والمحافظين والمسؤولين من الصف الأول، حيث عُيّن السيد عبد الرحمن بدر الدين الأعمى، الذي كان، حتى أيام قليلة مضت، يشغل منصب محافظ “حمص”، في منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية العربية السورية، وهو المنصب الذي كان يشغله السيد ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري، قبل أن تُعلن الرئاسة السورية قبل فترة، عن انسحاب أفراد عائلة الرئيس من العمل العام وعدم توليهم أي مناصب رسمية في الدولة.
بينما عُيّن كلّ من، خالد فواز زعرور، وزيرًا للإعلام، وباسل حافظ السويدان وزيرًا للزراعة، وغسان السيد أحمد محافظًا لمحافظة القنيطرة، ومرهف خالد النعسان محافظًا لمحافظة حمص. وأحمد علي مصطفى محافظًا لمحافظة اللاذقية. وزياد فواز العايش محافظًا لمحافظة دير الزور.
وتكشف ردود أفعال الشارع السوري المباشرة على التغييرات والتعيينات الأخيرة، أنها أتت على درجة أدنى من الآمال التي كانت معقودة على هذا المستوى. حيث تحدث العديد من السوريين عن استمرار أسلوب “المحاصصة” والمحاباة في التعيينات.
بينما تشير مصادر رسمية مقربة من القصر الجمهوري، أنّ الرئيس الشرع ماضٍ في إحداث التغييرات التي تعتمد على الكفاءة والقدرة على الإنجاز العملي في شتى المجالات، مع وعود أكيدة بأن تظهر نتائج تلك الخطة في الواقعين الإداري والتنفيذي بشكل متسارع، ما سوف ينعكس على الواقع الداخلي السوري بشكل عام.




