
حسين زلغوط, خاص – رأي سياسي:

لم تحمل المحادثات الأخيرة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، مع بداية الأسبوع، أي مؤشرات على اختراق يُعتدّ به في جدار الأزمة المتفاقمة جنوباً، بل بدت أقرب إلى إعادة تثبيت المواقف المتباعدة، وسط تصاعد ميداني يضغط على الإيقاع السياسي، ويحدّ من هامش المناورة الدبلوماسية.
في جوهر اللقاء، أعاد الرئيس بري طرح السؤال المركزي الذي يحكم مقاربة لبنان الرسمية: أين هو وقف إطلاق النار؟ وهل ما يجري على الأرض ينسجم مع ما يُطرح من ضمانات أميركية حول أي اتفاق محتمل؟
هذا التساؤل لا يأتي من باب التكتيك السياسي بقدر ما يعكس شكاً عميقاً في صدقية الوعود، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع رقعتها في الجنوب، بما يضعف الثقة بأي مسار تفاوضي لا يترافق مع تهدئة فعلية.
الموقف الذي عبّر عنه رئيس مجلس النواب يعكس، في جانب منه، قناعة لبنانية بأن أي تفاوض لا يمكن أن يُبنى على وقائع ميدانية متفجرة. فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب التوازن بين المسار السياسي والميدان يؤدي إلى اتفاقات هشة، سرعان ما تتهاوى عند أول اختبار. ومن هنا، فإن الإصرار على وقف النار كمدخل لأي تفاهم ليس شرطاً تعجيزياً، بل محاولة لتثبيت أرضية صلبة تتيح الانتقال إلى بحث الضمانات والتفاهمات بعقلانية.
في المقابل، يبدو أن المقاربة الأميركية لا تزال تركز على إدارة الأزمة أكثر من حلّها جذرياً. فواشنطن، المنشغلة بحربها مع إيران، تتعامل مع الساحة اللبنانية كجزء من لوحة معقدة تشمل حسابات الردع، وحدود التصعيد، وإبقاء النزاع ضمن سقف يمكن السيطرة عليه. إلا أن هذه المقاربة تصطدم بالواقع اللبناني، حيث الكلفة الإنسانية والاقتصادية لأي تصعيد تتجاوز بكثير قدرة البلاد على التحمل.
الجمود الذي طبع اللقاء لا يعني غياب التواصل، بل يعكس تعقيد المرحلة. فالقنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، لكن فعاليتها تبقى رهناً بقدرة الأطراف المعنية على تقديم تنازلات متبادلة. غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب حدوث ذلك، خاصة في ظل غياب ضغط دولي حاسم يفرض إيقاعاً مختلفاً على مسار التفاوض.
في هذا السياق، يمكن قراءة تمسك بري بموقفه كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت شروط واضحة قبل الانخراط في أي تسوية. فهو يدرك أن أي تراجع في هذه المرحلة قد يُفسَّر كقبول ضمني بالوقائع الميدانية، ما يضعف الموقع التفاوضي للبنان لاحقاً. لذلك، يأتي التشديد على وقف النار كخط أحمر لا يمكن القفز فوقه.
لا شك أن هذه المحادثات تكشف عن فجوة لا تزال قائمة بين الطرحين اللبناني والأميركي: الأول يطالب بضمانات ملموسة تبدأ بوقف العمليات العسكرية، والثاني يراهن على إدارة التوتر بانتظار نضوج ظروف التسوية. وبين هذين المسارين، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، فيما يستمر الرهان على أن تفرض الوقائع، في لحظة ما، تحوّلًا يفتح الباب أمام تسوية أكثر توازناً واستقراراً.




