النظام العالمي الشخصي

صعود القادة ذوي النزعة الشخصية يؤدي إلى تقويض المؤسسات والتحالفات الدولية، وتحويل النظام العالمي إلى نظام متقلب وخطِر تحكمه الأهواء الفردية بدل المصالح العامة والاستقرار العالمي.
كتبت سيفا غونيتسكي وسموهي سينان أوغلو, في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية:
النهاية، ربما كان السبب هو الرقص، حسب ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب ألقاه في يوم 6 كانون الثاني/يناير، في توضيحه سبب أمره الجيش الأميركي بالتوجه إلى كاراكاس في جنح الظلام، وأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتّهامات جنائية، وقال عن مادورو، إنَّه “يصعد إلى هناك، ويحاول تقليد رقصتي”.
وقد عرض ترامب أسباباً أخرى أيضاً، منها وصفه الرئيس مادورو بأنَّه تاجر مخدرات، ويقود حكومة قمعية استبدادية ترددت في منح الشركات الأميركية امتيازات في الوصول إلى النفط الفنزويلي، بينما قلّل الخبراء من أن يكون لفنزويلا أي دور مهم في تجارة المخدرات. وبعد العملية، أبقى ترامب على النظام الفنزويلي “العنيف” من دون تغيير يُذكر. وبينما رغبة البيت الأبيض بالحصول على النفط الفنزويلي مؤكدة، كان مادورو قد عرض بالفعل على ترامب وصولاً غير محدود تقريباً إلى نفط بلاده الخام بعد أشهر من الضغط.
بالنسبة إلى دارسي السياسة الخارجية الأميركية، قد تبدو فكرة قيام رئيس أميركي إنّ كان ترامب أو غيره، بإسقاط حكومة أجنبية لمجرد شعوره بالسخرية منه، صادمة إلى حدّ كبير. لكن ترامب زعيم شخصي، وهو يركز السلطة حول نفسه ودائرته المقربة. والزعماء الشخصيون يختلفون عن الحكام المستبدين أو الديكتاتوريين العاديين، لأنَّهم يُفرغون الهيئات والمؤسسات الحاكمة، كالأحزاب السياسية والجيوش والبيروقراطيات التي تدعم النظام، والتي من شأنها توجيه خيارات السياسة عبر آليات التداول الجماعي التي تُشكلها رؤية الزعيم السلطوي.
والزعماء الشخصيون مدفوعون بهواجسهم وحوافزهم الخاصة بهم فقط، لا بالمصالح الوطنية المتماسكة. وفي حالة ترامب، تشمل هذه الهواجس التملق، والإثراء الشخصي، والوصول إلى الموارد الطبيعية، والهيمنة على نصف الكرة الغربي. وبالنسبة إلى زعيم بهذه الأهداف، كانت مهاجمة فنزويلا والإطاحة بمادورو أمراً منطقياً. ولا يهم على الإطلاق أن ذلك لن يُعزز مكانة واشنطن العالمية، إذ أدان العديد من حلفاء الولايات المتحدة الهجوم بشدة، ومن المرجح أن تدفع أميركا اللاتينية إلى التحوط من واشنطن أكثر تهديداً من الماضي. وعندما سُئل عما إذا كانت هناك حدود لنفوذه العالمي، قال ترامب “أخلاقي الخاصة. عقلي الخاص، وهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني، فلست بحاجة إلى القانون الدولي”.
ليست الحكومات الشخصية ظاهرة جديدة. فعلى مرّ القرون، سعى الملوك المستبدون في أنحاء العالم إلى تحقيق أهداف سياستهم الخارجية بناءً على أهوائهم ومظالمهم العائلية. شنّوا حروباً بسبب إهانات شخصية ومطالبات إقليمية متجذرة في شرف العائلة. فعلى سبيل المثال، رفض كارل الثاني عشر ملك السويد مراراً عروض السلام المعقولة خلال حرب الشمال العظمى بسبب هوسه الشخصي بهزيمة بطرس الأكبر إمبراطور روسيا، ما أدى في نهاية المطاف إلى تدمير مكانة بلاده كقوة عظمى.
لكن الأنظمة الشخصية تراجعت خلال القرن العشرين مع تحول أجزاء كبيرة من العالم إلى الديمقراطية، وتحول العديد من الأنظمة الاستبدادية إلى أنظمة أكثر مأسسة، ما أدى إلى توزيع السلطة بين كبار المسؤولين، أو على الأقل توفير سبل لمسؤولي النظام لمساءلة زعيم الدولة.
يأتي دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يشخصن قيادته النظام بمستوى غير مألوف، مع أنَّه ما يزال يواجه قيوداً قانونية ومعارضة حقيقية. لكنه يتجاوز الضوابط المؤسسية الراسخة سعياً وراء دوافع شخصية، مثل تهديداته بشأن غرينلاند وصفقات العقارات والعملات المشفرة المربحة التي أبرمتها عائلته في الخارج. إنَّ جرَّ جزيرة غرينلاند الدنماركية إلى الوصاية الأميركية سيكون له أثر عكسي بالغ على مصالح الولايات المتحدة، وسيُضعف حلف “الناتو” الذي ساعد الولايات المتحدة على بسط نفوذها في معظم أنحاء العالم لأكثر من 75 عاماً. إضافةً إلى أنَّ المعاهدات القائمة تتيح بالفعل لواشنطن إنشاء قواعد بحرية متعددة في جميع أنحاء الجزيرة. لكن هذا لا يهم ترامب، الذي يُصر على أنَّ الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند، لأنَّه حُرم من جائزة نوبل للسلام، أو لأنَّ امتلاكها هو ما يرغب فيه شخصياً، وقد قال في الأسبوع الماضي، “هذا ما أشعر أنَّه ضروري نفسياً للنجاح.
تواجه الولايات المتحدة انتقادات لاذعة من العديد من الشخصيات البارزة في صفوف زعيمها. لكن هذا لا يعني أنَّ الرئيس يكترث بهم. فقد كوّن ترامب دائرة مقربة في مدى خضوعها له. وقد همّش الرئيس عملية صنع السياسات المعتادة بين الوكالات الحكومية، وأقصى المسؤولين ذوي الخبرة. وبذلك، قضى على قنوات المشورة المهنية والمنضبطة، مُفضلاً عليها المقربين والمتملقين، مثل ستيف ويتكوف، صديقه في مجال العقارات الذي تحوّل إلى مبعوث خاص للولايات المتحدة، وبيت هيغسيث، مُقدّم البرامج في قناة “فوكس نيوز” الذي أصبح وزيراً للدفاع. وفي الوقت نفسه، لا يثق ترامب بالخبراء التقليديين، بل ويهاجمهم إذا تعارضت آراؤهم مع آرائه، مثل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، الذي هدده ترامب بإقالته ومقاضاته لرفضه خفض أسعار الفائدة. وعلى عكس ولايته الأولى، لم يعد لدى أي من المقربين من ترامب الرغبة أو العزم على معارضته. ولقد أدى هذا النظام إلى إضعاف علاقة ترامب الهشة أصلاً بالواقع.
ولنأخذ على سبيل المثال قمة ترامب وبوتين في آب/ أغسطس الماضي. ففي الفترة التي سبقت القمة، أكد ويتكوف، بصفته مبعوث ترامب إلى روسيا، لترامب أنَّ بوتين مستعد للتفاوض على وقف عادل للأعمال العدائية يقوم على الاحترام المتبادل، بينما كان في الوقت ذاته يرسل إشارة إلى موسكو مفادها أنَّ واشنطن مستعدة لإجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات إقليمية. وهذا مثال كلاسيكي على شكل تصفية المعلومات، حيث رجل حاشية يخبر راعيه بما يريد سماعه بدلاً من الحقيقة. وكانت النتيجة اجتماعاً كارثياً للبيت الأبيض، وبدلاً من أن يُنعش محادثات السلام، تحمل ترامب محاضرة تاريخية أخرى من الزعيم الروسي، بينما استمر القتال في أوكرانيا.
السياسي الشخصاني
صعود النزعة الشخصية للحاكم يجعل من الصعب التكهن بمستقبل النظام العالمي. فقد أشار العديد من المعلقين، على سبيل المثال، إلى ميل ترامب الواضح نحو الزعماء الأقوياء، بمن فيهم شي وبوتين، كدليل على أنَّ الولايات المتحدة تستعد لتشكيل نوع من التحالف الثلاثي مع أكبر الأنظمة في العالم. وهذا صحيح إلى حد ما. فأفعال ترامب في فنزويلا وخطابه بشأن غرينلاند، واستعداده الظاهر للاعتراف بالهيمنة الروسية في أوروبا الشرقية، ونهجه النفعي تجاه تايوان، كلها تشير إلى رؤية عالمية قابلة لمفهوم مناطق النفوذ. لكن القادة ذوي النزعة الشخصية لا يصلحون شركاء، حتى فيما بينهم. فلكي يمنح كل منهم الآخر مناطق نفوذ حقيقية، سيحتاج بوتين وترامب وشي إلى ممارسة ضبط النفس المتبادل، وهو ما يفتقر إليه القادة ذوو النزعة الشخصية. ويستمر محللون آخرون في الترويج لعودة التنافس بين القوى العظمى. لكن هذا الإطار أيضاً لا يتناسب مع نظام عالمي قائم على النزعة الشخصية. فقادة القوى العظمى اليوم يريدون ما يشغلهم مثل النفط، وتايوان، وأوكرانيا، وسيتنافسون عليها، لكنهم لن يتنافسوا لجعل بلدانهم أكثر ازدهاراً وأماناً بشكل عام.
إنّ النظام العالمي القائم على النزعة الشخصية هو نظامٌ يسوده عدم اليقين والفساد والمساومات الخاصة. فالقادة الذين يسعون وراء مصالحهم الشخصية ينخرطون في صفقات استعراضية تتجاهل وتنسحب من التحالفات والالتزامات الراسخة، أو تُضعفها مقابل تحقيق مكاسب شخصية فورية. ومحاولة إدارة ترامب لعقد اتفاقية سلام شاملة بين روسيا وأوكرانيا، تُعدّ مثالاً على ذلك. وكذلك سعي ترامب لعقد صفقة كبرى مع الصين، بموجبها ستزيد بكين مشترياتها من السلع الأميركية، وإذا ما استدللنا بالماضي، فستقدم مزايا تجارية للشركات المرتبطة بترامب.
في المقابل، قد ينظر ترامب في تقليص الدعم الأميركي لتايوان، فقد أبدى الرئيس تذبذباً بشأن حجم هذا الدعم، أو رفع القيود المفروضة على الصادرات. وقد خفف ترامب بالفعل القيود المفروضة على رقائق الحوسبة، مما منح الصين دفعةً في منافستها مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد أثار هذا القرار استياءً واسع النطاق في أوساط مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، ولكنه قد يُثبت أنَّه مربحٌ للغاية لحلفاء ترامب في عالم التكنولوجيا، الذين تمكنوا من الضغط على الرئيس مباشرةً بفضل الملياردير ديفيد ساكس، مستشاره في مجال العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون.
وقد تصبح مثل هذه التسويات أكثر احتمالاً في ظل نظام عالمي قائم على النزعة الشخصية، لكنها ستكون عابرة. ففي الحكومات المؤسسية، تعتمد الاتفاقيات الدولية على آليات بيروقراطية، بينما تُعدّ الترتيبات الشخصية مجرد عروض بين الزعماء تُسوّق على أنَّها عبقرية فريدة للحاكم. وهي ترتيبات مؤسسية ضعيفة، وبالتالي هشة، وتُوجّهها قمم استعراضية أكثر من بنود قابلة للتنفيذ.
كذلك، تتذبذب التحالفات في عالم تسوده النزعة الشخصية. فقد يُظهر القادة تأييدهم لدولة ما في يوم ما، ثم يتخلون عنها في اليوم التالي. فعلى سبيل المثال، ينبع عداء ترامب لحلف “الناتو” مباشرةً من نظرته الشخصية للسياسة الخارجية. فهو يعتقد أنَّ السياسة الخارجية عبارة عن سجلّ متواصل للمدفوعات والمحسوبيات، ولأنَّ دول “الناتو” الأخرى أنفقت أقل من واشنطن على الدفاع، فإنَّها جميعاً مَدينةٌ للولايات المتحدة بالمال أو الموارد الأخرى. ولا يؤخذ في الاعتبار التاريخ الطويل للمنظمة، بما في ذلك لجان التخطيط المشتركة، والهيئة المركزية، والعلاقات الحكومية الدولية. فالقادة ذوو النزعة الشخصية يتخلون عن هذه الشكليات، ويُقوّون التحالفات ويُضعفونها وفقاً لتفضيلاتهم أو علاقاتهم الشخصية. ولذلك، يتمتع ترامب بقدرة فريدة على تقديم تنازلات لبوتين بشأن “الناتو”، وربما قبول ضمني بالسيادة الروسية في دول الاتحاد السوفياتي السابق التي يدّعي الكرملين أنَّها مجال نفوذه. لكن هذه المرونة الشخصية تجعل واشنطن شريكاً أقل موثوقية. وسيلجأ حلفاء الولايات المتحدة إلى مزيد من التحوّط، وينفقون مبالغ أكبر على جيوشهم في السنوات القادمة، مما يُضعف النفوذ الأميركي. وينطبق الأمر نفسه على شركاء الصين وروسيا، فلا الرئيس الصيني ولا بوتين يمكنهما تقديم التزامات موثوقة. والنتيجة هي نظام عالمي متصدع.
مشكلة الغد
في عالم مُجزَّأ ذي نزعة شخصية، ستكون الضوابط التي تمنع القادة من التصرّف وفقاً لنزواتهم أقلّ بكثير. وإذا ما انتهى الأمر بالقادة ذوي النزعة الشخصية إلى مواجهة بعضهم البعض خلال أزمة ما، فقد يكونون أكثر ميلاً إلى التصعيد من القادة العاديين. فالشخصيات، في نهاية المطاف، تطمئن بفضل مستشاريها المُتملّقين، وبالتالي تقلّ دوافعها للتراجع. وهذا التوجّه مُقلقٌ بالنظر إلى أنَّ الصين وروسيا والولايات المتحدة تمتلك أكبر ترسانات نووية في العالم، وأنَّ الضوابط التي تمنع المزيد من الانتشار النووي تبدو في طريقها إلى الانهيار. وتشير الأبحاث إلى أنَّ الأنظمة ذات النزعة الشخصية أكثر ميلاً إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية. كذلك، لقد انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى مع روسيا في ولاية ترامب الأولى، وقد لوّح الرئيس مؤخراً بالعودة إلى التجارب النووية.
إنَّ القادة ذوي النزعة الشخصية مستعدون لدفع ثمن باهظ لمشاريع الإرث. وقد تعهد ترامب علناً بالهيمنة على نصف الكرة الغربي. وفي الوقت نفسه، يُوفر الشرق الأوسط، المضطرب أصلاً، أرضاً خصبة لسوء تقدير النزعة الشخصية. ولن تكون النتيجة منافسة مستقرة نسبياً وإن كانت متوترة، كما ميزت الحرب الباردة. بل ستكون النتيجة أكثر تقلباً، في عالمٌ تُبنى فيه أهم القرارات على أهواء رجال نبذوا بشكل منهجي كل من يجرؤ على رفضها.
مترجم الى العربية.




