الكلمة العليا… ليست للدبلوماسية | روسيا – أوكرانيا: حرب استنزاف شاملة

|لينا بعلبكي – الأخبار:
بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاعها، تحوّلت الحرب الأوكرانية إلى صراع إرادات صفري بين روسيا والمنظومة الغربية الجماعية. ولا يُستبعد، مستقبلاً، أن يتحوّل مسار الحرب إلى «احتكاك مباشر» بين روسيا و«الأطلسي»، بعدما ظلّ نموذج «الحرب بالوكالة» هو السائد حتى الآن
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاعها، تحوّلت الحرب الأوكرانية إلى صراع إرادات صفري بين روسيا من جهة، والمنظومة الغربية الجماعية من جهة أخرى. وفي وقت تُواصِل فيه الولايات المتحدة انكفاءها الجزئي عن هذه القضية – في ظلّ انشغالها بحربها على إيران -، يتابع الأوروبيون تحمّل الكلفة الكبرى للصراع، مُقِرّين، من جانب، حُزم مساعدات جديدة لأوكرانيا – وفق ما جلّته أخيراً قمّة «تحالف الراغبين» التي انعقدت في باريس الشهر الماضي -، وماضين، من جانب ثانٍ، في فرض حُزم عقوبات جديدة على روسيا، كانت آخرها الحزمة 21، التي شملت 170 كياناً و48 شخصاً. غير أن نجاح واشنطن في رمي العبء الأكبر من كلفة الحرب على كاهل الأوروبيين، لا يعني أنها غائبة عن المشهد الأوراسي تماماً؛ إذ في الوقت الذي تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى اجتذاب دول غرب آسيا وجنوب القوقاز (أرمينيا وجورجيا تحديداً) إلى فلكها، تتابع استخدام ورقتَي المساعدات العسكرية لأوكرانيا والعقوبات الدولية ضدّ روسيا، آملةً من خلال ذلك تهيئة الظروف لتحقيق التسوية المنشودة من جانبها، والتي لا تزال متعسّرة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وعلى الرغم من أن روسيا جدّدت، أخيراً، انفتاحها على مناقشة أيّ أفكار جديدة لدى الولايات المتحدة بشأن التسوية، مشدّدةً، على لسان نائب مدير إدارة الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية، أليكسي فادييف، على أن هذه العملية يجب «أن تُبنى على أساس مراعاة المصالح المشروعة لروسيا (…)»، إلّا أن التقديرات الاستراتيجية الصادرة من موسكو لا تميل إلى إمكانية نجاح ترامب في استغلال «النافذة» السياسية المُتاحة له قبل الانتخابات النصفية الأميركية، في تحقيق نهاية لهذه الحرب. وكانت آخر «مبادرة» في هذا الإطار، طُرحت خلال اجتماع عُقد في لندن في 7 حزيران الماضي، وجمع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، حيث طرح هؤلاء خمسة مطالب باعتبارها شروطاً لإحلال «سلام عادل ودائم»، هي الآتية: وقف فوري وكامل لإطلاق النار؛ اعتماد خط التماس الحالي نقطة انطلاق للمفاوضات، مع عدم تغيير الحدود بالقوة، و«احترام حق أوكرانيا في اختيار ترتيباتها وتحالفاتها الأمنية»؛ توفير ضمانات أمنية قوية وملزمة قانونياً لكييف، بما يشمل نشر قوات دولية على الأراضي الأوكرانية؛ إبقاء الأصول الروسية مُجمّدة إلى أن توقف موسكو الحرب وتدفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عنها؛ وضمان أن يحفظ أيّ اتفاق «المصالح الأمنية الأوروبية».
لكن، وفقاً لوجهة النظر الروسية، فإن أيّ تسوية في أوكرانيا لن تكون ممكنة من دون تسوية الأسباب الجذرية التي قادت أساساً إلى الحرب، وهو ما يقتضي، بحسب موسكو، تحقيق حياد أوكرانيا التامّ، وتفكيك أيّ بنية تحتية عسكرية غربية على الأراضي الأوكرانية، وتمهيد الأرضية لـ«بناء هندسة أمنية أوروبية شاملة وجديدة»، لا تكون متعاكسةً ومصالح روسيا. وفي هذا الإطار، شدّد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مقال نشره في مجلة «الشؤون الدولية» الروسية، على أنه «لا يمكن استعادة الثقة إلّا من خلال خطوات عملية تثبت صدق التخلّي عن استخدام الدبلوماسية غطاءً لتنفيذ المخطّطات التوسّعية». ونظراً إلى تلك الشروط، تبدو الفجوة بين موسكو وكييف عصيّة على الجَسر، وفق ما تذهب إليه دراسة صادرة عن معهد «بريماكوف للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية» (IMEMO)، مبيّنةً أن روسيا ترفض أيّ صيغة «هدنة مؤقتة» بلا ضمانات تنفيذية صلبة، وتراها «فخّاً أطلسياً» يهدف إلى منح أوكرانيا فترة «التقاط أنفاس» لإعادة التسلّح والتحضير لجولة حرب جديدة. أيضاً، تتركّز مخاوف الكرملين، بحسب الدراسة نفسها، على البيئة السياسية الأميركية الهشّة؛ إذ إن أيّ تفاهمات تُعقد مع ترامب قد تذروها الرياح في حال خسارة «الحزب الجمهوري» للانتخابات النصفية المقبلة. وعليه، ترى روسيا أن الوقت «يعمل لصالحها»، وأنه لا مصلحة لها الآن في تقديم «تنازلات مجانية».
في المقابل، تتأرجح خيارات الأوروبيين بين تسريع وتيرة التصنيع العسكري، والإقدام على نشر قوات نظامية على خطوط التماس، يأملون أن يحوزوا من خلالها ورقة ضغط إضافية في أيّ مفاوضات مقبلة. لكن هذا الخيار الأخير، الذي لا يُستبعد تفعيله مع استمرار تراجع القدرة البشرية الأوكرانية على التعبئة، يهدّد، بحسب تقديرات نادي «فالداي»، بتحوّل خطير في مسار الحرب؛ إذ إنه سيفتح الباب أمام خطر وقوع «احتكاك مباشر» بين روسيا و«حلف شمال الأطلسي» في شرق أوروبا، بعدما ظلّ نموذج «الحرب بالوكالة» هو السائد إلى الآن. وهكذا، يبدو أن الشروط الروسية، وفي مقابلها التمسّك الأوروبي بمنع أيّ سيناريو يمكن أن يُجيَّر انتصاراً لموسكو، فضلاً عن أزمة الثقة العميقة بـ«الضمانات» الأميركية، كلّها عوامل تدفع في اتجاه دورات جديدة من التصعيد، حيث سيحاول كلّ طرف تسييل فائض قوته أو تدارك مكامن استنزافه.
تتأرجح خيارات الأوروبيين بين تسريع وتيرة التصنيع العسكري ونشر قوات نظامية في أوكرانيا
والواقع أن الميدان لا يَبعد من تلك الصورة؛ إذ لا يفتأ التماس البرّي المباشر على طول جبهة ممتدّة لنحو ألف كيلومتر، يتراجع لحساب صراع استنزاف محتدم يتركّز على ضرب المنشآت الاقتصادية واللوجستية. وبينما تركّز كييف هجماتها على المصافي والمنشآت النفطية في العمق الروسي، تُكثِّف موسكو ضرباتها ضدّ البنية التحتية للطاقة ومواقع الغاز الأوكرانية، وذلك في محاولة من كلّ طرف لضرب ما يُعرف عسكرياً بـ«الذيل الإداري» للخصم. وفي خضمّ هذا التصعيد، تَبرز الطائرات المُسيّرة – المُستخدَمة من قبل كلا الطرفَين – بوصفها أداة رئيسة في معركة قطع خطوط الإمداد، وإضعاف الجبهات الأمامية لمنطقة العمليات، وإرباك حشد القوات. في المقابل، وفي ظلّ اعتماد موسكو استراتيجية «الإغراق الناري» بهجمات مركبة وكثيفة من المسيرات وصواريخ «كروز» والصواريخ الباليستية، تعاني كييف أزمة نقص حادّة في صواريخ الدفاع الجوي، ولا سيما صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، في وقت يبرز فيه نمط تصعيد جديد لدى روسيا، متمثّل في استهداف سفن نقل الأسلحة الغربية في البحر الأسود؛ وهو نمط من شأن تكراره أن يؤثّر في قدرة أوكرانيا على تغذية المخزون الحربي لديها.
وفيما كان ترامب أبدى، في تموز الماضي، استعداداً لتزويد أوكرانيا بالقدرة على تصنيع صواريخ «باتريوت» التي تحتاج إليها بشدّة، قبل أن يؤكد لاحقاً أن واشنطن لم تمنح بعد موافقة رسمية على ذلك، كشفت وكالة «رويترز» عن مباحثات أوكرانية مع شركات دفاع أميركية، في مقدّمتها «لوكهيد مارتن»، للاستفادة من مشروع تطوير صاروخ اعتراضي من طراز «PAC-3 ACE»، يُتوقّع أن تقلّ كلفته عن نصف كلفة صاروخ «باتريوت» – من طراز «PAC-3 MSE» -، لافتة إلى أن إدارة ترامب لم تُصدِر، حتى الآن، أوامر بوقف تلك المباحثات. وفي موازاة النقص في صواريخ الدفاع الجوي، توسّع كييف اعتمادها على المُسيّرات في العمليات القتالية، مستفيدةً من قدراتها المتنامية في مجال تصنيع مُسيّرات «FPV» الموجّهة بالألياف الضوئية، والتي يتجاوز مدى بعض نماذجها 30 كيلومتراً، وتتميّز بقدرتها على تجاوز وسائل التشويش الإلكتروني التقليدية. أيضاً، تعمل أوكرانيا على تعزيز قدراتها المضادّة للطائرات المُسيّرة، وذلك عبر أنظمة دفاع جوي قصيرة المدى، من بينها «دراغون» المخصّص لاعتراض الدرونات الهجومية، ولا سيما تلك التي من طراز «شاهد»، بالتوازي مع تطوير مُسيّرات الألياف الضوئية من عائلة «Khyzhak REBOFF».
غير أن تنامي هذه القدرات الأوكرانية يأتي في ظلّ سباق متسارع مع روسيا على تطوير تقنيات الطائرات المُسيّرة والحرب الإلكترونية، ولا سيما مع الاستخدام الروسي الكثيف للمُسيّرات الهجومية البعيدة المدى من عائلة «جيران»، والذخائر المتسكّعة من طراز «لانسيت» (مُسيّرات انقضاضية تجمع خصائص المُسيّرة والصاروخ). كما أن معادلة «الإغراق الناري» الروسي تقابلها استراتيجية «الاقتصاد في الجهد والتكلفة» لدى أوكرانيا – وذلك عبر توسيع الاعتماد على المسيّرات الاعتراضية المنخفضة الكلفة -، وهو ما يجعل الحرب حالياً مُعلَّقة عند توازن صفري، حيث يحاول كلّ طرف تحقيق تفوّق في إدارة الوقت واستثمار الأصول العسكرية المتاحة لديه على أفضل نحو ممكن. وفي ما يتّصل بروسيا تحديداً، تعكس الأدبيات العسكرية الصادرة عن مجلة «الفكر العسكري» التابعة لوزارة الدفاع، تحوّلاً جذرياً في تكتيكات مواءمة الحرب الطويلة، إذ غادرت «العقيدة الروسية»، وفقاً للمجلة، أسلوب الاختراقات المُدرّعة الواسعة، واستبدلته باستراتيجية «القضم التدريجي» عبر وحدات مناورة صغيرة، مدعومة بحلقة استهداف موحّدة تدمج بين المُسيّرات ومدفعية الميدان ومنظومات الحرب الإلكترونية. وبحسب «الفكر العسكري»، يرتكز الجهد العملياتي الروسي الراهن على خنق اللوجستيات الغربية، وضرب مراكز الاحتياط خلف الخطوط، بالتوازي مع توسيع «المنطقة العازلة» داخل العمق الأوكراني لحماية الأراضي الروسية من الصواريخ الغربية البعيدة المدى.
وبينما تنتظر أوكرانيا «شبكة الأمان» التي وعدتها بها المنظومة الغربية، «نقلت «رويترز» عن أندري تشيرنياك، من «مديرية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية»، قوله إن روسيا تخطّط لنشر وحدة تضم نحو 90 عسكرياً كورياً شمالياً في منطقة فورونيج، قد تُجهّز بما يصل إلى 120 صاروخاً باليستياً كورياً شمالياً وستّ منصات إطلاق. وبحسب تشيرنياك، أرسلت بيونغ يانغ بالفعل دفعة جديدة تضمّ 40 صاروخاً من طرازَي «KN-23» و«KN-24»، إلى جانب أفراد عسكريين، على أن تُحسم «تركيبة الانتشار والعدد الإجمالي للصواريخ» خلال محادثات رفيعة المستوى الشهر المقبل.




