رأي

الفشل الأوّلي لا يردع ترامب: فلْتكن حرباً طويلة

حسين إبراهيم – الاخبار:

بين رهانات دونالد ترامب على الحصار والتصعيد، وثبات إيران أمام الضغوط، تتّجه المواجهة نحو حرب أطول وأكثر تعقيداً، وسط تراجع الثقة بقدرة واشنطن على فرض إرادتها.

لا يبدو أن الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات، يمكن معها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الإعلان أنه حقّق أهدافاً من كلّ هذه الحرب. فالحصار، إذا كان سيأتي بأيّ نتيجة، يحتاج إلى وقت طويل لا يملكه ترامب، ولا سيما مع بدء نفاد صبر القادة «الجمهوريين» الذين صاروا يشعرون بضغط الانتخابات النصفية، وهو ما يعكسه أيضاً تجدّد هجومه على الحلفاء، الذين ما زالوا يرفضون أيّ مشاركة في الجهد الحربي الأميركي. كما أن الحصار يظلّ أداة ذات فاعلية محدودة، حتى إذا طال، خصوصاً أن الإيرانيين باتوا يتحسّسون مأزق ترامب وصعوبة الخيارات الماثلة أمامه، وأنهم باتوا ربّما على عتبة كسر الإرادة الأميركية، وتحقيق انتصار سيكون له ما بَعده على مستوى تقديم صورة إيران قوية في المنطقة والعالم، تتيح تعويضاً سريعاً – في أيّ اتفاق لاحق – لما خسرته الجمهورية الإسلامية في الحرب في بنيتها التحتية، وذلك من خلال فرض رفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة المُجمَّدة، واستخدام مضيق هرمز لتحقيق إيرادات مالية دائمة.

ومع ظهور بوادر فشل الحصار، يكون ترامب اختبر حدود القوة التي ظنّ أنها بلا حدود، وقادرة على تحقيق أيّ هدف، معتقداً – عن خطأ – أن فشل الولايات المتحدة سابقاً في تحقيق أهداف الحروب، وتورّطها الطويل الأمد في الشرق الأوسط، يعودان إلى عدم حزم الرؤساء السابقين بما يكفي، وميلهم إلى المساومة والتنازل. الآن، يبدو أنه تعرّف إلى الحقائق كما هي؛ ولذلك، توقّف عن التغنّي بمميزات قاذفات الـ«بي 2» والقدرات العسكرية الأميركية الأخرى، التي ظهر للمرّة المليون أنها، مهما كانت متقدّمة، ليست كافية لكسب حروب على بعد آلاف الكيلومترات من دون مبرّرات صالحة. لكنّ ترامب لا يزال يصرّ على أن هذه الحرب لم تطُل بما يكفي للحديث عن تورّط طويل الأمد، وهو لجأ قبل أيام إلى المقارنة مع حروب فييتنام وأفغانستان والعراق.

ترامب، على عكس ما يقول، ليس معنيّاً بأن يسجّل اسمه في التاريخ كزعيم ينهي الحروب


وعليه، يبدو أن الرئيس الأميركي يميل، تحت ضغط الوقت نفسه، إلى تجربة حظّه عبر جولة جديدة من القتال، ربّما لا تكون الأخيرة. فالدوافع التي تحرّكه، مغايرة تماماً لما يجري الحديث عنه في الإعلام، والذي يبدو على أيّ حال متناقضاً وموجّهاً وهدفه التضليل. ومع أنه قد يصعب التعرّف إلى كلّ دوافع ترامب، التي يكمن بعضها في نفسه فقط – من نوع الانتقام الشخصي لمحاولة اغتياله -، إلّا أنه إذا اعتبرنا أن الرئيس الأميركي تحرّكه أولاً قاعدته الشعبية اليمينية، ومصالحه التجارية التي اتّسعت كثيراً خلال وجوده في الرئاسة، ويديرها حالياً أبناؤه، فلا يعود من المُستبعد أن يتحرّك انطلاقاً من تلك المصالح، حتى إذا فرضت عليه تورّطاً متوسّطاً أو طويل الأجل في إيران. والدافع هذا، سواء على مستوى جزء من اليمين الأميركي على الأقلّ، أو المال، تقف خلفه إسرائيل وحلفاؤها في أميركا، بالإضافة إلى من يمكن أن يهمس في أذن ترامب من حلفائه في الخليج، ممّن يساندون إمبراطوريته التجارية، ولا يريدون إعطاء نصر لإيران سيكون على حسابهم، وسيؤدّي بالضرورة إلى نظام مختلف للأمن الإقليمي، بدأت تشير إليه طهران في مقترحاتها المُقدَّمة إلى واشنطن لإنهاء الحرب. ولذلك، يفاوض ترامب لا عن نفسه، ولا عن الولايات المتحدة فقط، وإنما عن كلّ هؤلاء.

كذلك، يأخذ ترامب في الاعتبار أن حلفاء إيران في العالم صاروا أقرب إليها بعد التيقّن من أنها قادرة على الصمود، وهم يستعدّون لتفسير أيّ فشل أميركي في الحرب ضدّها، على أنه انتصار لهم. كما أن الفشل الأميركي سيؤدّي إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة في العالم – على عكس ما يروّج له ترامب الذي جعل شعار حياته السياسية «جعْل أميركا عظيمة مجدّداً» -؛ وهو سيشجّع قوى أخرى على تحدّي واشنطن التي بدت، بعدما جرى في الشرق الأوسط وفنزويلا في العامَين ونصف العام الماضية، كأنها قدرٌ لا يُردّ. والواقع المتحوّل هذا، سيكون ثمّة اختبار مبكر له خلال زيارة ترامب بعد أسبوعين إلى الصين، والتي سبق له أن أرجأها بسبب الحرب، وما يُشتبه في أنه دور صيني فيها يتمثّل بدعم عسكري نوعي لإيران، دفعه إلى الحرص على أن يكون الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية ذا تأثير على إمدادات بكين النفطية.

كلّ ما تقدّم، بالإضافة إلى أن إسرائيل تريد استمرار الحرب، ولا ترغب في صفقة تبقي حلفاء إيران أقوياء على حدودها، يُرجِّح أن تكون الحرب طويلة. كما أن ترامب، على عكس ما يقول، ليس معنيّاً بأن يسجّل اسمه في التاريخ كزعيم ينهي الحروب، وليس عليه أن يقلق بشأن ولاية جديدة في الرئاسة؛ بل هو حريص على أن يضمن استمرار توسّع إمبراطوريته التجارية المرتبطة بتحالفاته السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها. ولذا، فحتى إذا خسر «الجمهوريون» في نصف الولاية، فإنه سيستخدم وجوده في الرئاسة حتى اللحظة الأخيرة في الإصرار على تحقيق أهدافه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى