الصين واليابان وحرب لم تُحسم

سامر خير أحمد – العربي الجديد:
حين قدّم وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، إلى حكومة بلاده قبل أيّام، الكتاب الأبيض السنوي للدفاع، لم يكن يقدّم وثيقةً روتينيةً من تلك التي تُصدرها وزارات الدفاع في العالم كلّ عام. فالكتاب وصف الصين بأنّها “التحدّي الاستراتيجي الأكبر وغير المسبوق” الذي يواجه اليابان، واعتبر أمن مضيق تايوان مسألةً وجوديةً للاقتصاد الياباني، وسوّغ ميزانية دفاعية قياسية تقارب خمسة وستّين مليار دولار. ولم تتأخّر بكين في الردّ، إذ أعلنت خارجيتها أنّها “تستنكر وترفض بشدّة” ما ورد في الوثيقة، متّهمةً طوكيو بتضخيم التهديد الإقليمي بحثاً عن ذريعة لتسريع تسلّحها، وداعيةً إيّاها إلى “التوبة العميقة عن جرائمها التاريخية”. وهكذا يطرح المشهد سؤاله المشروع: هل نحن أمام سجال دبلوماسي عابر من ذلك الذي يتكرّر بين الجارتَين كلّ عام، أم أنّنا أمام لحظة تتكشّف فيها طبيعةٌ جديدةٌ للعلاقة بين أكبر قوّتَين في آسيا؟
تسوّغ طوكيو تسلّحها بالصعود العسكري الصيني، وتسوّغ بكين توسّعها البحري بالتحالف الأميركي الياباني الجاثم على أبوابها
تقتضي الإجابة أولاً التوقّف عند ما هو جديد فعلاً في الوثيقة اليابانية. فوصف الصين بالتحدّي الاستراتيجي الأكبر ليس جديداً في ذاته، إذ تكرّره طوكيو منذ أن راجعت استراتيجيتها للأمن القومي أواخر عام 2022. الجديد الحقيقي يكمن في أمرَين آخرين: أوّلهما أنّ الكتاب لم يعد يكتفي بتسويغ الإنفاق العسكري بلغة الأمن، بل صار يقدّمه بوصفه رافعةً اقتصاديةً: استثماراً يخلق الوظائف ويحفّز الابتكار ويُنعش الصناعة الوطنية. والثاني أنّ الوثيقة رفعت توصيف العلاقة بين الصين وروسيا من “مصدر قلق” إلى “شراكة استراتيجية متعمّقة”، مستشهدةً بطلعات جوّية مشتركة اقتربت فيها قاذفات البلدَين من الأجواء اليابانية للمرّة الأولى. وبين الأمرَين خيط واحد: اليابان تعيد تعريف نفسها، لا موقفها من الصين وحسب.
وعند الأمر الأوّل تحديداً يستيقظ التاريخ من سباته. فاليابان جرّبت من قبل، في عصر ميجي أواخر القرن التاسع عشر، الصيغة ذاتها التي تعود إليها اليوم: شعار “دولة غنيّة وجيش قوي” الذي قاد نهضتها الصناعية آنذاك، وجعل التحديث الاقتصادي والتوسّع العسكري وجهَين لعملة واحدة. يومها انتهى ذلك المسار إلى حرب مع الصين عام 1894 خسرتها بكين، فاقتُطعت منها جزيرة تايوان نفسها بموجب معاهدة شيمونوسيكي، لتبقى مستعمرةً يابانية 50 سنة حتّى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن هنا يمكن فهم شيء من حساسية بكين المفرطة تجاه أيّ كلام ياباني عن تايوان؛ فحين تسمع الصين رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي تقول (كما قالت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي) إنّ هجوماً صينياً على الجزيرة قد يشكّل “وضعاً يهدّد بقاء اليابان” بما يجيز تدخّل قواتها، فإنّها لا تسمع تحليلاً قانونياً لبنود الدستور الياباني، بل صدى لتاريخ كانت فيه تايوان غنيمةً يابانيةً. إنّ الجغرافيا قد تجعل من الجزيرة مسألةً أمنيةً لطوكيو، لكنّ التاريخ يجعل منها، في العقل الصيني، جرحاً مضاعفاً: جرح الوحدة الوطنية المؤجّلة، وجرح الاستعمار الياباني القديم في آن.
ويقتضي الإنصاف القول إنّ الصين ليست طرفاً بريئاً يتلقّى الضربات وحسب. فقوّاتها البحرية والجوية كثّفتا فعلاً نشاطهما حول اليابان في السنوات الماضية، من بحر الصين الشرقي إلى ما وراء سلسلة الجزر الأولى في عمق المحيط الهادئ، وميزانيتها العسكرية تنمو بلا انقطاع منذ ثلاثة عقود، وهي التي تملك اليوم أكبر قوّة بحرية في العالم من حيث عدد القطع. ومن الموضوعي القول إنّ كلّ طرف يقدّم للطرف الآخر، بسلوكه هذا، الذريعةَ التي يحتاجها: طوكيو تسوّغ تسلّحها بالصعود العسكري الصيني، وبكين تسوّغ توسّعها البحري بالتحالف الأميركي الياباني الجاثم على أبوابها. إنّها المعضلة الأمنية في أوضح صورها، فلا يحتاج أحد إلى نيّات عدوانية كي يتدحرج الجميع نحو سباق تسلّح، بل يكفي أن يقرأ كلٌّ منهما احتياطات الآخر بوصفها تهديداً.
العلاقة بين بكين وطوكيو معلقةً بين اقتصادٍ يجمع وتاريخٍ يفرّق
غير أنّ اختزال الأزمة الراهنة في هذه المعضلة الأمنية المجرّدة يفوّت ما هو أعمق منها. فالعلاقة بين البلدَين تعيش منذ أشهر ما يشبه الانهيار المتدرّج: تصريحات تاكايتشي حول تايوان قوبلت بحملة صينية شملت قيوداً على الصادرات، وإدراج عشرات الشركات اليابانية في قوائم الرقابة، ثمّ جاء الكتاب الأزرق الدبلوماسي الياباني في إبريل/ نيسان الفائت ليخفّض توصيف الصين من “واحدة من أهم الدول المجاورة” إلى مجرّد “جارة مهمّة”. والمفارقة اللافتة أنّ هذا التدهور السياسي كلّه يجري فوق قاعدة اقتصادية متينة، إذ لا يزال التبادل التجاري بين البلدَين في أعلى مستوياته، حتّى صارت العلاقة تجسيداً نموذجياً لمعادلة “اقتصاد ساخن وسياسة باردة” التي طالما وُصفت بها العلاقات بين بكين وطوكيو، لكنّ الجديد اليوم أنّ الاقتصاد نفسه بدأ يدخل ميدان المواجهة، فحين تصير المعادن النادرة ورقة ضغط صينية، ويصير الإنفاق العسكري رافعة نمو يابانية، تفقد المعادلة القديمة صمام أمانها الأخير.
فماذا عن المستقبل إذن؟ أغلب الظنّ أنّ العلاقة لن تنزلق إلى مواجهة مباشرة، فكلا الطرفين يدرك كلفتها، والبلدان مقبلان على استحقاق دبلوماسي قد يفرض تهدئة تكتيكية، إذ تستضيف الصين قمّة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في نوفمبر المقبل، وقد ألمحت طوكيو إلى رغبتها في عقد قمّة بين تاكايتشي وشي جين بينغ على هامشها، لكنّ التهدئة شيء والمصالحة شيء آخر. فما يجري بين البلدَين لم يعد خلافاً على تصريح يمكن سحبُه، أو وثيقة يمكن تعديل صياغتها، بل تنافس بنيوي على موقع كلّ منهما في آسيا الجديدة: اليابان تتحرّر تدريجياً من قيود دستورها السلمي الذي فُرض عليها بعد الهزيمة، والصين ترى في هذا التحرّر تقويضاً للنظام الذي قام على تلك الهزيمة. وهنا جوهر المأزق: إنّ ما تعدّه طوكيو عودةً طبيعيةً إلى وضع “الدولة العادية” التي تملك جيشاً مثل سائر الدول، تعدُّه بكين نقضاً لتسوية تاريخية دفعت أثمانها شعوب آسيا، والصين في مقدمتها، عشرين مليون قتيل في حرب واحدة.
في المحصّلة، فإنّ الكتاب الأبيض الياباني وغضب الصين منه ليسا سوى الفصل الأحدث في مساءلة كُبرى لم تُحسم منذ ثمانين عاماً حين توقّفت الحرب بلا مصالحة، وبقي التاريخ جمراً تحت رماد العلاقات الاقتصادية، ولذلك ستبقى العلاقة بين بكين وطوكيو معلقةً بين اقتصادٍ يجمع وتاريخٍ يفرّق، إلى أن يجد البلدان طريقهما إلى حسم الحرب أو المصالحة بشأنها.




